📁 آخر الأخبار

سبينوزا والفكر الإسلامي في العصور الوسطى

 

 يوسف دجيدي

اقرأ أيضا: التداوي بالفلسفة 



من بين الفلاسفة المحدثين الذين قليلا ما ارتبط اسمهم بالإسلام، يحتل سبينوزا مكانة خاصة، إن جاز القول: فهو لم يقل شيئا، أو القليل جدا، عن الإسلام. و هنا بالضبط يكون الأمر أكثر إثارة للدهشة، إذ تتميز المرات القليلة النادرة جذا بعداء غير مفهوم. فهذا اليهودي السفاردي ذو الأصول المرانية كانت له مع ذلك علاقات، معترف بها بشكل متزايد، بالفلسفة والتصوف اليهودي والإسلامي. من ناحية أخرى، كانت اسبانيا، التي ربطته بها علاقات شخصية قوية، موطن العديد من هؤلاء المتدينين الذين ما زالوا يحتفون بالأندلس ويستنكرون «المشرك» الذي استولى عليها. لكن سبينوزا كان له سببا آخر يجعله يحوِّل انتباهه نحو الإسلام. ذلك أن أرض الإسلام كانت، في الواقع، منطلق الأحداث المسيحية  messianiques التي نسقها ورتباها شبتاي تسفي Sabbataï Zevi  والذي كان هو «نبيها». الأحداث التي برز فيها عدد من السفرديون، نذكر منهم على الخصوص حاخام وهران الشهير يعقوب ساسبورتاس، وهي الأحداث التي انتهت، عكس كل التوقعات، بتحولات هائلة طرأت على الديانة الإسلامية. إلى كل هذا يجب إضافة جزئية، قياسُ أهميتها بجدية كبيرة مسألة ضرورية: فامتلاك هذا الفيلسوف لنسخة من القرآن أمر يدفعنا إلى افتراض مكانته، إلى جانب التوراة، في عدد من الصياغات اللاهوتية والفلسفية.

1-               سبينوزا والفكر الإسلامي في العصور الوسطى

في الأدبيات الضخمة المخصصة لسبينوزا، قليلة هي الأعمال التي أثارت علاقات هذا الأخير بالإسلام. من المؤكد أن الموضوع العلاقة هذه صعب، أكثر من ذلك يمكن للمرء أن يفهم تحفظات –بل حتى سكوت- معظم المؤلفين الذين درسوا نشأة نظرية سبينوزا عنها، مما يجعلها صعبة التحديد على أساس المصادر. من هنا تأتي المشكلة الشائكة المرتبطة بشكل خاص بأصولها اليهودية والإسلامية. لكن يبقى للموضوع إغراءاته، بل ويمكنه أن يرصد بعض المفاجآت لكل باحث يرفع التحدي. على أية حال، فابتداء من أعمال مؤلفِين أمثال سلمون مونك، أو هاري أوستري وُولفسون اللذين ندين لهما، في هذه الحالة، بفلسفة سبينوزا)[1]( وفلسفة علم الكلام)[2](، أصبحت هذه الفكرة معتمدة أكثر فأكثر لدرجة أن عمل فيلسوف أمستردام أصبح هو الآخر «نقاش صريح لكل مشاكل اليهودية والمسيحية وحتى العربية»، كما يؤكد ذلك رولاند كيلوا([3]).

بالطبع، وكما أكد سالومون مونك، ما إن اهتز صرح الفلسفة المدرسية اليهودية-العربية، حتى كف سبينوزا عن أن يكون، بدقيق العبارة، «فيلسوفا يهوديا» وانتمى، منذ ذلك الحين، إلى الحضارة بمعناها العام([4]). إلا أن مونك يؤكد في الوقت نفسه على العلاقة القوية بين سمات محددة من السبينوزية والمذاهب الفلسفية العربية([5])، وهذا لا يعني بالتأكيد أي «تقليلٍ» من قيمة مؤلّف كتاب الأخلاق. على أنه لابد من الإقرار، وكما سبق لسيلفان زاك أن أشار إليه، أنه كان هناك بالفعل ميل «لحرمان سبينوزا من المكانة المستحقة له في تاريخ الفلسفة الأوروبية. إذ تتم إحالته إلى الشرق الأدنى بل وإلى الشرق الأقصى كما فعل هيجل»([6]). علاوة على ذلك فإن الصلات بين هذا النسق الفلسفي ولفكر الشرقي أقدم من هيجل نفسه؛ ثم إن بايل، مثلا، و بولانفيلير و مالبانش استنكروا، إذا جاز القول، «كونفوشيوسية» الفيلسوف الهولندي([7]).

ومع ذلك، دعونا ننصف هيجل، الذي رأى في فلسفة سبينوزا تحديدا الصرح الأساسي لكل المشاريع الفلسفية، حتى وإن لم تكن في نظره سوى مجرد «بداية». إلا أن هذا يبدو له حاسما، مادام يعتقد أن نزعة ديكارتية، بإرجاعها كل شيء إلى الفكر، ستصبح تالية لهذه لفكرة التي ترى أن ليس هناك سوى جوهر واحد فقط هو وحدة الفكر والطبيعة كامتداد.

يشير هيجل أيضا إلى نقطة مرتبطة بالاستشراق يأخذ فيها سبينوزا موضعا: إنها مذهب اللاكونية. هذا المصطلح لا يعني بالنسبة لهيجل وحدة الله مع للعالم، كما يريده المذهب الحلولي [الواحدي] «المبتذل»، بل على العكس من ذلك اختفاء العالم في الله. وهكذا، ف «المتناهي، أي وجود العالم ليس شيئا حقيقيا، إذ لا شيء يظل قائما بذاته، إلا الذات الإلاهية لذاتها». إلا أن هذا «الوعي بالواحد»، هذه «الوحدة بين الروح و الإله الواحد»، نجده في كل نقائه وسموه لدى الكتاب المسلمين، من قبيل جلال الدين الرومي «الرائع». لذا فالتيار السبينوزي، مثله مثل التصوف الشرقي، نزعة حلولية، نسق من «الخشوع» Andacht، أي «الانسياق الخالص والمجرد، والعلو عن كل ما هو محدود ومنته».

كان الهدف، في المقام الأول، من هذا التقارب مع الشرق فهم إسلام العصور الوسطى وفلسفته([8])، وأيضا إثارة الطابع ال«محافظ» الذي افتُرِض وجوده لدى السبينوزية، وهو ما كان ينسب بشكل عام لل«شرق»، و أيضا، بطبيعة الحال، للإسلام. فإدوارد فان هارتمان، مثلا، صرح أن  «توحيدية سبينوزا» انكشفت أولا في اسبانيا المسلمة([9]). تماما كما أكد إيرنست رينان هو الآخر أنه، بمثل ما أن الإسلام مقاوم للتطور، «لم يكن سبينوزا يعش مستحدثات التطور العالمي: إذ العالم كما يتصوره، في إطار الفكر المحافظ، يبدو أنه يتبلور، بطريقة ما، باعتباره مادة ممتدة لا يقبل الفساد »([10]). إلا أنه بدا له أن العلاقة بين فكر سبينوزا والفلسفة العربية تنحصر فقط في مدرسة موسى بن ميمون([11])، و«البحث عن وجود أي أثر للفكر الرشدي ضمن نسق مفكر أمستردام، هو أمر سوف يتجاوز، عند البحث في الأصول النسقية، الحد الذي يجب أن يتوقف عنده مجرد الفضول: سيكون بمثابة تتبع آثار الوادي في البراري»([12]).

وعلى العكس من ذلك، يوضح هاري أوستري وولفسون، بمعنى ما، أن سبينوزا كانت لديه معرفة كافية بالمفكرين العرب، وعلى رأسهم ابن رشد، كما يبرزه مثال غيوم دي بلينبرج الذي يدعو سبينوزا إلى عدم التشاجر حول الكلمات، كما علمه ذلك الفيلسوف نفسه([13]). والحال، كما يقول وولفسون، أن هذا التعبير يحيل على تهافت الغزالي وإلى الخلاف بين ابن رشد وابن سينا بشأن المحتمل و الجائز([14]). فبحسب سالومون كاربي فقد كان سبينوزا محظوظا جدا حضور هذا الجدل لدى الرشدوي ليفي بن جيرسون، الذي عاشره كثيرا.

هنا يمكننا البحث، دون جسارة كبيرة، عن العلاقة القوية بين ابن رشد و سبينوزا، دون المساس بما أمكن لسبينوزا معرفته من ابن رشد بطريقة مباشرة، في تلك المدارس اليهودية حيث تتعاشر الممارسة الضيقة الأكثر انغلاقا بالجسارة الأكثر انفتاحا([15]).

باختصار، وكما أوضح ستانيسلاس فون دونين بوركوفسكي، قبل قرن تقريبا، إذا كان باروخ الشاب قد انفتح على الفلاسفة المسلمين، فذلك لأنه وجد لديهم «الكثير مما يفتقر إليه إخوانه في الدين؛ فقد وجدهم أكثر وضوحا، وأكثر تميزا، وأكثر موضوعية، وما قرأه [...] عند جيرسون، وهسداي كريسكاس وابن عزرا كان مخجلا وغامضا([16])». في وقت لاحق، سوف يصر الهولندي وليام مايير مرة أخرى على التقارب بين ميتافيزيقا سبينوزا ونظرته للعالم وبين فكر العالم العربي الاسلامي([17]).

قبل أكثر من ثلاثين سنة، قدم روجر أرنالديز ورقة عن «اسبينوزا والفكر العربي([18])». وحتى وإن كان ابن طفيل (أبو بكر) الغائب الأكبر عن الشبكة التي رسمها أرنالديز ، وهو (ابن طفيل) الذي قد يكون شكل أحد أكبر القضايا التي اهتم بها اسبينوزا، كما سيتبين لنا أدناه، فإن هذه الشبكة، وإن لم تبرز أية علاقة تقارب مباشرة، تكشف عن إمكانية دراية سبينوزا بأسماء مثل ابن سينا، و ابن رشد، و ابن باجة، والغزالي، والفارابي، و ابن عربي، و ابن حزم، حيث أبانت عن وجود نفس المنهج «الحرفي» المشابه للذي تبناه الحاخام يهودا البخار، على سبيل المثال، في مواجهة عقلانية موسى بن ميمون([19]).

لكن هذا ما كان ليثير الاستغراب، خصوصا إذا عرفنا أن الفكر اليهودي في العصور الوسطى، ممثلا في أسماء ذائعة الصيت مثل سعيد بن يوسف أبو يعقوب الفيومي، مثلا، أو بن جبيرول، أو ابن ميمون قد أينعوا في رحم الإسلام([20]). فبالتأكيد، لم يكن سبينوزا يجهل أن «موسى الثاني» كان هو ابن ميمون نفسه، المعروف بأبي عمران موسى بن ميمون بن عبيد الله القرطبي الإسرائيلي، والذي ازداد بقرطبة ومات بالقاهرة، وبرز في بلاط صلاح الدين؛ ولا أن كتابMoré Nebuchim الذي عالجه نصف كتاب «الرسالة اللاهوتية والسياسية([21])»، لم يكن في الواقع سوى النسخة العبرية لكتاب دليل الحائرين. ويذكر موسى بن ميمون في كتابه الأساسي، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفرة من الشخصيات الفكرية والعلمية الإسلامية، نذكر منها ابن الصائغ بن باجة([22])، وجابر بن أفلح[23]، وابن سينا([24])، والفارابي([25]) والغزالي([26]). وقد تطرق فيه إلى المواضيع الكلامية الكبرى، التي استفاد منها ليبنتز استفادة كبيرة، وأحيانا في مواجهة سبينوزا نفسه، والتي تأكد معرفته لها، على الأقل من خلال ابن ميمون([27]). إلا أن هذا الأخير الذي نعتهم بال«ثرثرة»، كان هو نفسه موضوع انتقاد في الفصل الأول من كتاب الرسالة اللاهوتية السياسية.

كل هذا يؤكد الفرضية القديمة التي تقول «أن الفلسفات اليهودية والعربية هي التي ساعدت سبينوزا على بناء الأساس العقلاني لنسقه الفلسفي، والعثور على طريقه الخاص وأن يبتعد عن ديكارت([28])». والحقيقة تقال، لقد «كان التصور العربي أقرب إليه من تصور ديكارت([29])»، رغم أن فلسفة هذا الأخير ظلت تشكل «قاعدة» فلسفته([30]). ثم بعد مرور أكثر من قرن على الفيلسوف الهولندي، جاء فيلسوف يهودي أوروبي آخر، و هو «تلميذ» متأخر لابن ميمون و مَحْمِيُّ موسى مينسيلسون، يسمى سالومون ميمون، يدعي هو الآخر انتسابه لفكر ليبنتز وسبينوزا، و ينتصر، مع كانط نفسه، للفلسفة العربية، هذا في الوقت الذي كان فيه فيلسوف كونيغسبرغ يعلن، وفقا لصيغة هيردر، أنه ابتعد منذ ذلك الحين عن «مسارات فلسفة ابن رشد».

من المؤكد أن سبينوزا كان يتوفر على نصوص عربية مترجمة إلى العبرية([31]). لكن ليست المصادر اليهودية وحدها هي التي دانت له المواضيع الرئيسية للفكر العربي. فأتيلانو دومينغيز، على سبيل المثال، في بحثه حول المؤلفيْن المدرسِيَيْن: الإسباني سواريز والهولندي هيربور، وأثرهما في الأفكار الميتافيزيقية لسبينوزا([32])، يشير إلى أن في كتاب نقاشات لسواريز، مثلا، يظهر ابن رشد وابن سينا أكثر من مائتين وخمسين مرة([33]).

وعلى أية حال، وكما أشار إلى ذلك روجيه أرنالديز بشدة في السابق،

فكون سبينوزا ينتمي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، فقد تلقى تربية يهودية: إنه يعرف العبرية ويعرف التوراة ومؤلفات الحاخامات كما يعرف فلاسفة يهود العصور الوسطى. إلا أنه لا يمكن، من ناحية، إنكار أن قضايا تأويل النصوص المقدسة و، على الخصوص، استخدامها اللاهوتي والقانوني، إن لم تكن لدى اليهود والمسلمين متطابقة تماما، فهي على الأقل جد متقاربة. [...] ولا يمكن، من ناحية أخرى، إنكار تواجد بيئة ثقافية مشتركة، خاصة في اسبانيا، تجمع كل المفكرين الذين يشتغلون على ضوء رؤية مزدوجة تجمع بين الفلسفة اليونانية و الاسكندرانية، والوحي التوحيدي، سواء تعلق الأمر بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن. [...] ولهذا السبب فمن المحتمل أن يكون سبينوزا، إلى حد ما، قد تم تحسيسه، بفضل تكوينه الأولي، بهذه اللغة الفلسفية المشتركة، وبرؤيتها للقضايا، وطرقها في طرحها ومعالجتها. وقد كان من المستحيل عليه معرفة بن ميمون دون أن يعرف ضمنيا شيئا من الفكر الرشدي([34]).

ربما قد يكون فصل المقال لابن رشد هي الكتابة المباشرة الوحيدة حول هذه المسألة التي حسم فيها سبينوزا صراحة، ولكن بطريقة مختلفة تماما. غير أن الأطروحة التي بلورها ابن رشد في كتابه فصل المقال، قد «يبدو أنها مارست تأثيرا معينا على الرسالة اللاهوتية والسياسية لسبينوزا» كما يقول ليون غوتييه. ثمة بعض الفقرات في هذه الرسالة التي تبدو مماثلة لفقرات من فصل المقال في شأن التوافق مع الدين عند ابن رشد، لكن يصعب إثبات مصادرها([35]). على أية حال، حتى لو كانت كتابة ابن رشد عرضة لنفس الانتقادات التي وجهها لها كل من سبينوزا وابن ميمون([36])، فهذا لا ينفي «التماثل، وأوجه التشابه، والصلات بين طروحات كل من ابن رشد و سبينوزا حول مسألة العلاقات بين الإيمان والفلسفة([37])».

والحق يقال، فإن العلاقة بين النقل والعقل قد شغلت جميع الفلاسفة المسلمين الآخرين([38]). فابن سينا، مثلا، تحدث هو الآخر، بعد الفارابي، حول هذه المسألة. بالمقابل، في إطار ندوة عقدت منذ بضع سنوات بأنقرة كُرست لآبن سينا، عمل الجامعي التركي أحمد أرسلان، وهو يرسم حدود مسألة العلاقات بين الفلسفة والدين لدى كل من الفيلسوف المسلم ومؤلِّف الرسالة اللاهوتية والسياسية، على إبراز الصلات القوية بين الفيلسوفين، والتي تسمح بجدية افتراض تأثير ابن سينا والفارابي على اسبينوزا، خصوصا على طريقة التعامل مع المسألة والأخذ بعين الاعتبار الحلول([39]).

أقل ما يمكن قوله، إذن، هو أنه «حينما يتعامل اسبينوزا مع الدين وتأويل النصوص المقدسة، حتى و إن كان لا يفكر إلا في اليهودية، فإنه يتحرك في المياه المألوفة جدا لدى المفكرين المسلمين([40])». الخطوط العريضة التي قدمها أرنالديز واضحة بما فيه الكفاية للتحفيز على القيام ببحوث ومقاربات جديدة، على غرار ما حاول هو نفسه القيام به، مثلا، مع ابن عربي من مورسيا وابن باجة. بوسعنا أيضا أن نشير، فيما يتعلق بهذه النقطة، إلى البحث القصير الذي أجراه صلاح المصباحي([41]) والهامش الصغير لرافائيل رامون غيريرو حول «الفلاسفة الإسبان المسلمون وسبينوزا: ابن باجة وابن طفيل([42]

في هذا السياق يؤكد روجي غارودي على الصلات القوية بين مذهب اسبينوزا والالتزام «الدنيوي» -للتحدث باستعمال تعبير ماكس فيبير- الممتزج مع الانفصال الداخلي الذي يوصي به التصوف الإسلامي. وهكذا فإنه يرى

أن العلاقة تجاوزت مجرد تشابه، إنها نوع من التقارب الغير المباشر، بين المفهوم الإسلامي للفعل وبين مفهوم اسبينوزا: التصرف وفق أحكام المطلق والانتقال من الأخلاق إلى الرسالة اللاهوتية والسياسية. ربما هذا هو ما استفاده اسبينوزا من التراث الإسلامي، خاصة من المدينة الفاضلة للفارابي([43])، عبر الأعمال العربية للفيلسوف اليهودي، ابن ميمون.

يستحضر خوان أنتونيو باتشيكو بانياغوا، في نفس الاتجاه، الصلات الوثيقة بين مواطنه في العصور الوسطى، الصوفي الشهير أبو القاسم بن العارف الألميري، وبين سبينوزا، مستندا على محاسن المجالس للأول والأخلاق للثاني([44]). زيادة على هذه الدراسة الموحية، يمكن إضافة دراسات مشابهة، من بينها تلك المتعلقة بالاعتقاد القوي بالقدر([45]) و، في نفس الوقت، الريبة في الحركات التبشيرية، وتلك المرتبطة بحركة الموحدين، بالنسبة لابن العارف([46])، والحركة السباتائیة [نسبة إلى سبتاي تسفي]، بالنسبة لسبينوزا.

نُعتقد أن هناك أوجه تشابه كثيرة قائمة بين اسبينوزا والكتاب المسلمين. ليس بالتأكيد لإقامة علاقة تقارب بينهما بأي ثمن، ولكن أيضا لاتخاذ الطريق المعاكس. إذ يؤكد أرانالديز أنه إذا كانت مساهمته «تلقي بعض الضوء على اسبينوزا، فإن الأمر المؤكد هو أن فهم اسبينوزا يساعد على فهم كثير من المفكرين المسلمين بعمق([47])». إن اهتمام الفيلسوف الهولندي بالإسلام –وإن كان خجولا بالتأكيد- يدعم هذا القول، وستُبرِز دراسة ببليوغرافية مدى سعته. يمكننا أن نكوِّن فكرة أولية بفضل مبادرات مثل تلك التي قام بها صلاح مصباحي، حتى لو كان البحث يخص فقط المنطقة الناطقة باللغة العربية، والتي لا تقتصر على المسلمين([48]).

مصباحي هو واحد من هؤلاء الأكاديميين التونسيين الذين يظهرون اهتماما فريدا باسبينوزا؛ كما يمكن أن نذكر من بين هؤلاء الأكاديميين رباح الزاوي([49])، وعلي الشنوفي([50]) وفاطمة حداد الشماخ. هذه الأخيرة، صاحبة أطروحة الدكتورة حول الفلسفة السياسية لسبينوزا([51])، قدمت العديد من المساهمات حول هذا الفيلسوف([52]) وحول أوجه التقارب بينه وبين المفكرين المسلمين في العصور الوسطى([53])، وحتى في العصر الحديث. و قد تناولت، بحق، هذه النقطة الأخيرة بالدرس في تدخلها خلال ندوة «اسبينوزا اليوم»، الذي كان بموضوع «راهنية الرسالة اللاهوتية والسياسية لاسبينوزا. من أجل قراءة نقدية لنصوص ال"نهضويين" العرب المسلمين من أواخر القرن 19 إلى نهاية القرن العشرين». وكما نرى فإن اسبينوزا لايزال لديه مستقبلا ضمن الفكر الإسلامي.  

يمكننا في جميع الأحوال افتراض هذا الأمر، خصوصا إذا أضفنا للأسماء المذكورة اسم يوسف الصديق. فعلاقات هذا الفيلسوف والأنثروبولوجي التونسي باسبينوزا ترجع إلى رسالته لنيل شهادة الدراسات الجامعية للفلسفة، التي دافع عنها في تونس، في موضوع «محددات الرغبة والحب لدى كل من ابن سينا و اسبينوزا([54])». وقد تركز اهتمامه فيما بعد على دراسات متعلقة بالقرآن([55])، التي كانت موضوع أطروحته للدكتورة، وعلى غيرها من الأعمال التي أعطته شهرته([56]). إلا أن اهتمام يوسف الصديق باسبينوزا لم يتراجع أبدا، كما تكشف عن ذلك ورقته الأخيرة التي قدمها خلال اليوم الدراسي المخصص للدراسات القرآنية([57]) والذي كان عنوانه «نحو اسبينوزا للقيام بدراسات قرآنية»، وإن الاكتفاء به لوحده، في الواقع، لا يمكن أن يكون ذا دلالة.

 

2 - العلاقة بالإسلام: من أمستردام إلى الأندلس

بدءا لابد من الاعتراف أن الجمع بين اسبينوزا والإسلام –المصطلح الذي لم يستعمله الأول أبدا- في نفس السياق أمر غير عادي. لربما كان فيلسوفنا هو أول ساخط عن ذلك، إذا ثقنا بتأكيداته الخاصة حول هذه «الخرافة»، والتي تمخضت عنها أضخم «كنيسة» لم يكن لها مثيل من قبل –أقوى حالات الخيانة من قبل صاحب الرسالة اللاهوتية والسياسية. فإلى أي حد عرف الإسلام؟

أما الفيلسوف نفسه فقد التزم الصمت المطبق تجاه هذه النقطة. ومع ذلك ثمة كراهية محيِّرة تبرز من خلال مقاطع متناثرة بين الرسالة اللاهوتية والسياسية والتأملات و في مراسلاته، والتي يجب أن نضيف إليها الرسالة السياسية، والتي تضمنت بعض الملاحظات على الاستبداد التركي ثم إشارة غامضة عن هيمنة الموريون Maures على منطقة الأرغون. تمنينا أن يكون أكثر إسهابا حول هذه النقطة الأخيرة، علما أن لديه اهتماما كبيرا بإسبانيا([58]). هل كان اسبينوزا أكثر عداء للإسلام من معاصره باليز باسكال، الذي ترك فقرات([59])، ضمن مؤلفه اعتذار للدين المسيحي، موضوعها مهاجمة الإسلام؟

يمكننا أن نشارك روجيه أرنالديز دهشته، من حيث أن «سبينوزا لا يعير الإسلام أي اهتمام، على خلاف باسكال([60])». لكن لا يمكن أن نفترض لديه نفس سوء الفهم لحضارةٍ كان لإخوانه في الدين معها، في زمنه ذاك، علاقات قوية جدا. وما يثير الدهشة أكثر صمته في الوقت الذي كانت أمستردام في عصره تعرف تجمعا قويا لليهود السفاردميين([61])، الذين لا يتحدثون فقط «الإسبانية، والبرتغالية، والإيطالية، ويقرأون اللاتينية والإغريقية؛ و غالبا الفرنسية([62])». فالبعض منهم، وأغلبهم ذووا صيت واسع، كانوا يتحدثون العربية أيضا، على غرار يعقوب ساسبورتاس الشهير([63]).

كل المؤشرات تسمح بتخيل باروخ الشاب وهو ينعم بأجواء عائلية و اجتماعية، كانت فيها اسبانيا المسلمة ماتزال قائمة، لليهود فيها وجود قريب، على حد تعبير رينان، ل«ما يشبه ذكرى القدس([64])»، وحيث عرفت الطائفة اليهودية الإسبانية واحدة من أزهى فترات تاريخها الثقافي. والحقيقة أن «الثقافة العربية في اسبانيا المسلمة ميزت بينبوعها الذي لا ينبض، خلال القرون القادمة، الطائفة اليهودية الإسبانية([65])». ولم يبالغ غاي مارُوَاني في جعل اسبينوزا نفسه يلبس نفس «حداد اسبانيا ما قبل الملوك المسيحيين» التي بلوره إخوانه في الدين([66]). وحتى إن لم يكن يبدو عليه الاهتمام، فلا يمكن لسبينوزا تجاهل قسوة ملوك اسبانيا على رعاياهم اليهود والمسلمين. والواقع أن اسبينوزا كان ينتمي إلى هذا الجيل الأول من اليهود الإيبيريين المولودين في هولندا، الذين ربوا في ظل يهودية معلنة والذين، دون أن يفقدوا تقليد حب آبائهم لإسبانيا ولغتها وتقاليدها، شاع بينهم أيضا «اشمئزاز[هم] للسلطة السياسية والتفتيشية الإيبيرية([67])».

من جهة أخرى، وباعتبار امستردام مدينة للطباعة والنشر –وقد كان مناسح بن إسرائيل نفسه ابن الحرفة ويملك أول مطبعة عبرية-، كان من المألوف أن تشهد المدينة صدور مؤلفات بلغات أوروبية هي مؤلفة أصلا باللغة العربية، مثلما هو الحال بالنسبة ل الحجة والدليل في نصر الدين الذليل [المعروف ب Kuzari] للفيلسوف والشاعر اليهودي يهودا هليفي خلال القرن الثاني عشر إبان الدولة الإسبانية المسلمة([68])، أو حي بن يقظان لابن طفيل. هناك ربما ما هو أفضل بالنسبة لهذا العمل الأخير. فأول ترجمة هولندية لها –وأيضا الأولى إلى لغة عامية أوروبية- صدرت –مجهولة- عام 1672، وقد نسبت في فترة ما إلى اسبينوزا نفسه. ويرجع السبب في ذلك إلى أن إعادة طبع هذه الترجمة عام 1710 حملت الأحرف الأولى الثلاثة S.D.B، واعتقد أن اسبينوزا قد عكسها لإخفاء هويته([69]). في وقت لاحق، سيتم العثور بمكتبة روزنتال بأمستردام على نسخة من أعمال الموجودة بعد وفاة هذا الأخير من بينها ترجمة لاتينية لحي بن يقظان

فرضية ترجمة هذا الكتاب من قبل اسبينوزا هي الآن مهجورة كليا تقريبا. هذه المهمة نسبت إلى صديقه الحميم جون بويميستر، بعدما كلفته الجمعية الفنية والفلسفية «بقلب يقض لا شيء يستحيل Nil Volentibus arduum» بإنجاز هذا المشروع وبتشجيع من فيلسوفنا([70]). لكن حين نقر بهذا، علينا أن نثبت أيضا أن هذه الترجمة قد تم إجراؤها انطلاقا من النسخة اللاتينية التي أنجزها إدوارد بوكوكي، الصادرة بأوكسفورد سنة 1671، وليس عن النسخة العربية الأصلية، كما تعتقد بذلك فاطمة حداد شماخ([71])، متبعة في ذلك كوينغاد أويدج ميينسما، الذي اعتمد هو نفسه على أطروحة ألبير يعقوب كروننبورغ استنادا إلى الجمعية «بقلب يقض لا شيء يستحيل»([72]). القول بخلاف ذلك سيعني أن اسبينوزا كان له أصدقاء عرب من بين أقرب أصدقائه –كما هو الحال بالنسبة للطبيب اليهودي المصري-، مما سيكون له بالتأكيد عواقب غير متوقعة على علاقته بالفكر العربي والإسلامي.

ربما لا يجب الآن إهمال هذا المسار، الغير المتيقن منه لحد الساعة، خصوصا إذا علمنا بالإقبال الكبير على اللغة العربية الذي كان عليه الحال في ذلك الوقت، كما يوضحه مثال الفلاسفة الطبيعيين الإنجليز([73]). لكن لا يمكن أن ننسى النسخة العبرية المجهول صاحبها لحي بن يقظان  التي اعتمد عليها، في تعليقه عنه([74])، الابن سيناوي اليهودي البروفنسالي الكبير المنتمي للقرن الرابع عشر: موسى ناربون([75])، الذي لم تكن فلسفته سوى «استعراض وتصحيح لفلسفة موسى بن ميمون برمتها على ضوء أفكار ابن رشد([76])». «لذا فمن المحتمل، كما يفترض ذلك خوان دومينغو سانشيز إستوب، أن اسبينوزا إن لم يكن، بنموه في بيئة من أصول يهودية، يعرف، رواية حي بن يقظان فهو يعرف على الأقل التعليق عنها، وهذا قبل صدور ترجمتها اللاتينية لصاحبها بوكوك بمدة([77])».

ويشق سانشيز إستوب طريقا آخر ينتقل من رواية ابن طفيل إلى الرسالة اللاهوتية والفلسفية فإلى الأخلاق، حتى وإن لم يستطع الفيلسوف العربي أن يساير الفكرة التي توصل إليها اسبينوزا بصدد التماهي بين الله والطبيعة، بغض النظر عن قبوله أو عدم قبوله لفكرة خلود الله والطبيعة المشترك. من هنا جاء رفض ابن طفيل للمادة [الجسد]، الأمر الذي لم يقم به اسبينوزا إذ، «حتى في أكثر لحظات أخلاقه غموضا»، لم يترك لنفسه أية فرصة للانجذاب نحو أي شكل من أشكال التعالي، باعتبار أن خلاصه فطري، أي أنه بالتحديد دنيوي. من ناحية أخرى، أقر سبينوزا بكل يقين، تماما كما فعل سلفه المسلم، بإمكانية الخلاص استعانة بالعقل الطبيعي، مادامت «هناك طريق عقلية تقود إلى الخلاص، إلى التوحد مع الله وإلى الخلود». و الرسالة اللاهوتية والفلسفية وحي بن يقظان «متفقان كلية» حول هذا الخلاص، ولا يمكن للمعرفة أن تؤدي إليه إطلاقا إذا لم تدعمها «الطاعة والتقوى([78]

حي بن يقظان هو عمل حداثي رائع، شكل منذ القرن السابع عشر ثروة استثنائية، حيث كان محط جدل ديني وسياسي بإنجلترا أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر([79]). فالكويكرون  quakers [يدعى بهذا الاسم المنتمون لجمعية الأصدقاء الدينية]، على الخصوص، قد وجدوا في حي بن يقظان، منذ ذلك الحين، وكما أشار إليه أرنست رينان من قبل، «كتابا تنويريا([80])». في القرن الثامن عشر كان فيلسوف برلين اليهودي الكبير موسى مندلسون يوصي به كواحد من المؤلفات التي تضمن درجة عالية من التكوين الفلسفي([81]). لابد أن هذا الداعية للتنوير الألماني، وهو يقوم بهذا التوجيه، لم يكن يتبع فقط تقليدا يهوديا فحسب، لكن من المحتمل أيضا أنه كان يتبع حكم واحد من قاداته في الفكر الذي هو ليبنتز. والحق أنه بالنسبة لهذا الأخير،

كان لدى العرب فلاسفة، وكانت مشاعرهم تجاه الألوهية عالية تماثل تلك التي كانت جد راقية لدى الفلاسفة المسيحيين. يمكن معرفة هذا الأمر من خلال الكتاب المميز للفيلسوف العصامي الذي ترجمه السيد بوكوك عن العربية([82]).

نسجل الآن أن الفيلسوف العصامي لا يمجد، في جميع الأحوال، سوى الطريق –الأفلاطوني الجديد([83])- للخضوع لله عن طريق النور الطبيعي، وهو ما واصل اسبينوزا التأكيد عليه([84]). فما يعلِّمه حي بكل بساطة هو الايمان الطبيعي –الفطرة- الذي نجده مطلوبا في القرآن والذي بدونه لا يمكننا فهم الإسلام([85]). هذه «الربوبية الأكثر نقاءً»، التي يرمز بها أرنست رينان إلى الإسلام والتي يبدو أـن اسبينوزا يتجاهلها بشكل واضح، أدركها ليبنتز بكل وضوح([86]). لابد من الاعتراف أن اسبينوزا، في هذه النقطة، قد كان أقل حداثة من معاصره الألماني.

3 –الحلقة السبتية

منذ مدة طويلة تم توقع مجيئ الماشيح [المسيح] إلى أرض الإسلام([87]). و اجتاحت بالفعل في أرض الإسلام، بالضبط في سميرنا [إزمير حاليا] والقاهرة وحلب والقدس والقسطنطينية، وفي حياة اسبينوزا نفسه، موجة ماشيحية عارمة، بدأها من بلاد تركيا العظمى شخصين يهوديين: سبتاي تسيفي و هو «نبيها»، وناثان بنجامين ليفي، المدعو ناثان الغزاوي [نسبة إلى غزة]. كما برزت أيضا من أرض الإسلام أسماء تألقت كالجزائري الشهير يعقوب ساسبورتاس، الذي سيصبح من أشد معارضي الحركة([88])، و الطرابلسي ذو الأصول الإسبانية، أبراهام ميغيل كاردوزو الذي سيصبح، إضافة إلى ناثان الغزاوي، من أعظم لاهوتي اليهودية المغاربيين([89]).

يمكننا أن نتصور حجم هذه الحركة، التي انتشرت كالنار في الهشيم من أسيا الصغرى إلى اليمن، وامتدت إلى إنجلترا وهولندا وأوروبا الشرقية. وبما أن حاخامات أمستردام تألب أغلبهم لنصرة الماشيح اليهودي، فإن هذه المدينة ستلعب دورا كبيرا في مستقبل السبتيين([90]). وهكذا، ففي نهاية سنة 1665، سيقوم هنري أولدنبورغ، الصديق الألماني لسبينوزا ومراسله باللغة الإنجليزية، بزيارته، لأنه في إنجلترا، كما في غيرها من البقاع:

هناك الكثير من الكلام حول عودة الإسرائيليين المتناثرين لأكثر من ألفي سنة إلى بلادهم. قلة من الناس يعتقدون في ذلك، لكن أكثرهم يتمنونه. هل تسمحون لي بمعرفة ما ترونه وما تفكرون فيه بخصوص هذا الموضوع. بالنسبة لي لا يمكنني أن أثق في هذا، رغم أني توصلت بالخبر من مصادر موثوقة بها من قسطنطينية المدينة ذات الاهتمام الكبير بالموضوع. سأكون سعيدا بمعرفة ما يعلمه يهود أمستردام في الموضوع وكيف استقبلوا الخبر الذي سيحدث بالتأكيد اضطرابا كبيرا في العالم([91]).

لسوء الحظ ضاع رد اسبينوزا([92])، ولا نعرف موقفه الحقيقي من هذه الأحداث. لكن يمكننا أن نحكم مسبقا أنه كان مهتما بالحدث، وبالمنطقة الإسلامية التي كانت مسرحا له. من المعروف أن المخزون «الكامل» الذي تركه هذا «الزاهد» -إن لم نقل هذا الفقير الزاهد faqīr ([93])- كشف عن وجود حاجيات قادمة بالفعل من «تركيا»، بما في ذلك بنطلون ومعطف([94]). إنه إرث غريب لرجل يرثي، في مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية، أنه « قد يكون من المستحيل تقريبا معرفة ماهية الإنسان: مسيحي، أم تركي [مسلم]، أم يهودي أم مشرك، إلا ما إذا استثنينا كسوته وثيابه، أو إن كان يتردد على بيت العبادة أو إذا كان، في النهاية، ملتزما بهذا الرأي أو ذاك أو يثق ثقة عمياء بهذا الشخص أو ذاك. فيما عدا ذلك فهم جميعا سواسية في حياتهم».

لا نعرف أيضا ماذا كان رد فعل اسبينوزا حينما ارتد، في العام التالي، الماشيح الجديد، سبتاي تسيفي، عن اليهودية، بدلا من «رفع التاج عن رأس السلطان وافتتاح عصر الماشيح الجديد([95])»، وسمى نفسه محمد عزيز أفندي، مثيرا بذلك ذعر جميع اليهود المتناثرين في الشتات. سبعة عشر سنة بعد ذلك، اي ست سنوات بعد وفاة اسبينوزا، حدثت موجة ردة الكبيرة عن دين اليهودية، أدت إلى نشوء «مران marranes البلقان المسلمين([96])»، والملقبون بالدونمة (Dönmeh)([97]). وقد قاد الحاخام جوزيف فيلوسوف، صهر سبتاتي تسيفي، بنفسه تغيير ديانة مئات العائلات اليهودية([98]). وكما فعل سبتاتي تسيفي نفسه، سيبقي هؤلاء المسلمون الجدد على علاقات سرية مع التصوف التركي الشعبي([99]).

الواقع أن اسبينوزا لم يفصح أبدا عن موقفه تجاه هذه النقطة. لكننا نعلم، بشكل عام، أنه لم يكن يعارض تحول اليهود إلى ديانات أخرى، مادام أن هذا يتم وفق اختيار حر و أنه يؤدي بشكل طبيعي أيضا – و اسبينوزا يصر على هذه النقطة- للحصول على امتيازات ومكانات اجتماعية([100]). وتأسيسا على هذا المبدأ، كان الميل إلى الاتفاق على أنه لا يعارض تحول اليهود إلى الإسلام، كما يوحي إلى ذلك مقطع من رده على يعقوب أوستن، والذي سنعود إليه فيما بعد، تحدث فيه عن إمكانية خلاص المسلمين عن طريق العدل و الاحسان([101]).

إلا أن هذا الافتراض، الذي مفاده أن لا سبب يدعونا إلى اعتبار رد فعله عن الماشيحية متأخرا، هو بنفس القدر من الخطورة فيما يتعلق بضده. الإقرار بالعكس سيكون مقبولا أكثر، لأنه، في الحقيقة، إذا كان اسبينوزا بعيدا عن تهنئة ألبير بورغ ل«عودته» للمسيحية، فإنه كان أقل استحسانا لتحول اليهود إلى الإسلام، إذ أن كنيسة أكبر هي خرافة خداعة أكثر. بالمقابل، إن عودة ظهور الدولة اليهودية، هو احتمال يراه مقبولا بشكل كبير، إذ «حتى إن لم تُضعف مبادئُ دينهم قلوبَهم، فإني، لعلمي بتغير الشؤون الإنسانية، أعتقد دون تحفظ أن اليهود سيعيدون تأسيس امبراطوريتهم في أقرب فرصة ممكنة وأن الله سيختارهم مرة أخرى([102])». هل هي «صهيونية» مبكرة؟ ممكن. إلا أنها ليست مشيحية، وذلك أن المحفز الحقيقي الذي يهم اسبينوزا، في نهاية المطاف، من استعادة الدولة العبرية، لم يكن هو استمتاعهم بممتلكاتهم فحسب، وإنما أيضا تلك الواجب الديني –نحو الدولة أساسا([103])- التي تحركها «الكراهية الدينية» تجاه الأمم الأخرى.

بالنسبة لسبينوزا، قد كانت هذه الخصائص هي التي حافظت له على شعوره بالانتماء للشعب اليهودي([104]). وهكذا، تماما كما سمحت الضفيرة على الرأس للصينيين بالتغلب على الشدائد وتشييد امبراطوريتهم، بالمثل سمحت علامة الختان الظاهرية لليهود في تفردهم الديني والوطني([105]). ماعدا هذا، لا يحق لليهود أن يدعوا أي تفوق على الشعوب الأخرى، باستثناء قوانينهم التاريخية. غير أن هذه، بالنسبة لسبينوزا، وعلى عكس الكالفينية الهولندية لعصره، أبقت، إذا جاز القول، على الفصل بين «موسى» و«هارون»([106])-، على الأقل لم تخضع الأول للثاني.

 

4- «الاستبداد» و«الطاعة الطبيعية»

نعلم وجهة نظر اسبينوزا المتشددة في موضوع الاستبداد، المتجسد في رأيه في النموذج السياسي التركي والذي نبهت مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية إلى حماية الهولنديين منه. لقد أشاد فيلسوفنا، مثلما فعل ديكارت كذلك، بهذا الشعب الذي كان ينعم «بسعادة نادرة [...] في العيش في ظل جمهورية، تعطى فيها حرية واسعة إما للحكم عن الله أو تكريمه وذلك بحسب الطبيعة كل واحد، وحيث يحظى كل واحد بحرية هي بالنسبة إليه أعز وأسمى مكتسب».   

[هذا في الوقت الذي] تكمن أكبر أسرار النظام الملكي ومصلحته الرئيسية في خداع الناس و السيطرة عليهم ببث الخوف المغلف بهالة الدين، فيقاتل الناس من أجل حماية عبوديتهم كما لو كانت حريتهم، ويعتقدون أن ذلك غير مخجل، بل شرفا كبيرا يدفعهم لسكب دمائهم وزهق أرواحهم من أجل رجل واحد.

وحتى وإن لم تتضمن هذه الفقرة بصورة مباشرة –وليس هذا بضروري- الأنظمة الإسلامية، فإن الأسطر التي تسبقها في نفس المقدمة لا تدع مجالا للشك. والواقع أن الاستبداد وخادمته الخرافة، بالنسبة لسبينوزا، « لم يكن لهما أثر أكبر مما كان في بلد الأتراك حيث يعتبر النقاش وسيلة لتدنيس المقدس، و ترهِق كثير من الأحكام المسبقة الحكم، وأن العقل الراجح لم يعد له مكان في الروح وأن الشك نفسه لم يعد ممكنا». فمكيافيلي، مثلا، صاحب الأفكار الثاقبة([107])، والذي كان اسبينوزا يمتلك أعماله الكاملة([108])، أكد، دون أن يضيف جديدا، «أن النظام الملكي في تركيا الكبرى يحكم بنفسه لوحده. الباقون كلهم عبيد([109])».

غير أن الخطاب النقدي لسبينوزا سيتجاوز هذا الحد في رسالته إلى يعقوب أوستين، التي يدافع فيها عن نفسه من هجمات لامبرت فيلتايسن على الرسالة اللاهوتية والسياسية، التي، حسب هذا الأخير، تهدم كل عبادة، كل دين وكل كتاب مقدس، بإقحام القدرية بشكل قطعي ومبسط و، أنها إن لم تصل حد ال«إلحاد مبطن»، فهي على الأقل تدعو إلى نسبوية دينية. فبالنسبة لفيلتايسن، ووفقا لتأكيدات الرسالة اللاهوتية والسياسية،

يمكن اعتبار القرآن كلام الله. والواقع أن المؤلف لا يملك أية حجة لإثبات عدم أحقية محمد في النبوة، مادام الأتراك أنفسهم، انطلاقا من أحاديث نبيهم، يحافظون على فضائل أخلاقية لا يشك في مصداقياتها أحد. كما يرى المؤلف، من جهة ثانية، أن الله غالبا ما يقود، عبر آيات أخرى، إلى استخدام العقل والطاعة أُمَما لم تستفد من أشكال الوحي الذي نزل على اليهود والمسيحيين([110]).  

إجابة اسبينوزا هي أكثر إثارة للدهشة من كونها مُحرَجة، بل و يبدو أنها تبطل الفكرة التي ترى أن «عدم اهتمام» الفيلسوف «بالعقائد يثبت أيضا رفضه لها جميعها؛ سواء تعلق الأمر بالمسيحيين أو اليهود، الأتراك [المسلمين] أو الوثنيين([111])». وفي نهاية المطاف، تمكن من استنباط تلميحات فيلتايسن بسهولة، خصوصا المتعلقة منها، على الأقل، بالنسبوية الدينية. ومع ذلك فإن اسبينوزا يدافع عن نفسه كون «متًهِمهُ يقدم تفسيرا جد خاطئ» « بدافع الحقد أو عن جهل» لتطور أفكار كتابه ويعترض، عكس كل التوقعات([112])، أن العكس تماما هو ما يقترحه مذهبه ويعلن بوضوح تام أنه «يستخلص بكل جلاء أن محمدا محتال»، لكونه «يقمع [...] تماما الحرية التي تقر بها الديانة الكاثوليكية التي أوحي بها إلى النور الطبيعي وباقي الأنبياء، وأثبتت ضرورة الاعتراف بها». ويضيف فيلسوفنا:

لكني أتساءل هل من الضروري علي أن أثبت أن نبيا، حتى إن لم يكن محتالا، كان كذابا؟ على العكس من ذلك، الأنبياء هم أحق من الدفاع عن أحقيتهم في النبوة. قد يقول قائل أن محمدا قد بث هو الآخر في الناس قانونا إلاهيا وقدم آيات نبوية أكيدة، كما فعل باقي الأنبياء، حينها لا سبيل لإنكار حقيقة نبوة محمد. أما بالنسبة للأتراك وباقي الأمم، إن كانوا يعبدون الله بمحبة الحق والإحسان لذي القربى، فإني أعتقد أن روح المسيح تغمرهم وأنهم أُثيبوا، كيفما كان اعتقادهم، عن جهالة، في محمد وما أُحي له([113]).

صحيح أن اسبينوزا، المؤيد القوي لحرية المعتقد، لا يمكنه أن يستوعب أي سلطة سياسية أو دينية لا تعترف أولا بهذه الحرية. ومتاعبه مع السلطات الحاخامية في بلاده معروفة جدا لا يستدعي الأمر العودة إليها. لكن مشاكله لم تكن محصورة مع اليهود وحدهم، فهو، على الرغم من صلته بالمذهب الكلفاني، لم يتوقف أبدا عن إدانة حجم الأخطار التي شكلتها الكنيسة على الدولة وحرية المعتقد. ولعل أن واحدا من الأسباب التي أدت إلى بلورة تصوره حول الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما أسر بذلك هو نفسه لأولدنبورغ، قد كان بالضبط ال«رغبة في الدفاع بكل الوسائل الممكنة عن حرية الفكر والكلام التي تهددها السلطة الواسعة جدا المسموح بها للرهبان ولغيرتهم، باستعمال القمع في هذا البلد([114]

نتفهم مخاوف اسبينوزا من تفرد كل ديانة بالحرية، «ما دام أنه صحيحا أن جميع رجال الدين، وثنيين كانوا أم يهود أم مسيحيين أم محمديين [مسلمين]، هو حريصين على سلطتهم من كل انصاف وقول حقيقة وأنهم جميعا تحركهم نفس روح الاضطهاد([115])». فيما يتعلق بالإسلام كان من الممكن، بالفعل، أن لا نرى في رسالته لأوستن سوى مراوغة بسيطة يمليه اتخاذ الحذر –وهذا بالفعل ما أوصى به الفيلسوف مراسله-، لو لم يكن هناك مقطع، في رسالة أخرى، يؤكد الرؤية السلبية للغاية للفيلسوف تجاه الدين الإسلامي.

الرسالة المقصودة هي التي رد بها على رسالة جاءته من فلورنس، من تلميذه السابق ألبير بورغ([116]). يخبره الشاب أنه «برحمته تعالى الواسعة، عدت إلى الكنيسة الكاثوليكية وأصبحت عضوا فيها». ثم أتبع ذلك بمحاكمة طويلة بنبرة جد ملتهبة في حق «الرجل التعس الذي لعبت برأسه شياطين قوية»، «وثنية»، «عديمة الرحمة»، والتي تستحق هي نفسها الرحمة ك«الكلفانيين، أو الذين يسمون بالإصلاحيين، [...]، مناصري لوثر، مينوناتيين، وسوسينيانيين، الخ»، وهم «كما هو حالكم في مملكة يخيم فيها ظل الموت».  

أما بالنسبة لليهودي، الذي ارتد عن دينه حديثا، وباعتبار أنه يعلم بطبيعة الحال أن أستاذه السابق من أمته –ويعرفه أيضا بالتأكيد غير مهتم بمصيرها-، فهو يدعوه بالطريقة الأكثر وقاحة أن يقدِّر

كذلك العقوبة الرهيبة والقاسية لدرجة لا تتصور التي حطت بقدر اليهود إلى أدنى درجة من البؤس، وذلك لكونهم صلبوا المسيح. تصفح، اِبسط أمامك، تمعن التاريخ العالمي، لن تجد مجتمعا كان له نفس الغنى مثل هذا المجتمع ولو في الأحلام.

لكن ماذا عن الإسلام؟ لا شيء تماما. يمكن استثناء جملة عابرة وذات مسحة ساخرة تؤكد أن «القسطنطينية هي عاصمة إمبراطورية تركيا». ولا حتى عندما يسمح المجال بذلك، مثلما هو الحال بالنسبة للمقطع الذي يمدح فيه العقيدة المسيحية المنتشرة بشكل متزايد بفعل عمل الجمعيات الخيرية، «وليس بهدير السلاح، وقوة الجيوش العديدة وتدمير الأراضي، وهي السبل التي يوسع بها أمراء العالم مستعمراتهم».

لا يبدو هناك ما يبرر، منذ الوهلة الأولى، التغاضي عن الإسلام، ولنا كامل الحق أن نستغرب إجابة سبينوزا هذه:

أدرك ميزة النظام السياسي الذي شيدته الكنيسة الرومانية [...]؛ لكني لم أكن لأعرف النظام الأكثر قدرة على خداع الجمهور والهيمنة على النفوس لو لم توجد الكنيسة [المساجد] الإسلامية التي، من هذه الناحية، تفوق كل الأخريات؛ فمنذ بدء هذا المعتقد، لم يتم، بالفعل، تسجيل أي انشقاق بمساجده([117]).

وددنا لو عثرنا على البيِّنة التي تدعي فرانسواز شارل دوبر، في مقالها عن «سبينوزا والزنادقة»، العثور عليها في التقنية التي اعتمدها الفيلسوف في وجه خصمه:

عن تهمة اعتبار محمد نبيا حقا والقرآن كتابا مقدسا، «أجاب سبينوزا بطريقتين. أولا بالتأكيد وبوحشية أنه لم يفعل شيئا سوى إظهار أن محمدا كان دجالا. إنها لصياغة كانت شائعة، أرثوذكسية بالنسبة لفكر الحقبة، لكن أيضا مستفزة بشكل رهيب، وذلك لأن الصياغة تستحضر بشكل طبيعي أطروحة الدجالين الثلاث، حتى وإن كانت لا تتماشى وموضوع الرسالة اللاهوتية والسياسية».  

الحق أننا لا نجد سببا واضحا لحضور أطروحة الدجالين الثلاث في رد سبينوزا على فيلتايسن.

لكن ماذا لو سلمنا أن هذا هو حقا مسترسلات رده، وأنه لم يتبع حينها الحجة المترتبة عنها؟ لعله بهذه الطريقة كان سيدمر الإسلام وبقية الديانات وينعت جميع الأنبياء بالدجالين؛ أو أنه سيتبنى صراحة النهج الربوبي الذي يبدو أن فرانسواز شارل  دوبر قد اكتشفته في بقية رده، عندما

ينتهي أخيرا، وهو يوبخ نفسه، إلى عدم الاهتمام بالأديان –المعتقدات والمذاهب- طالما أنها تنشر تعاليم العدل والإحسان، وهو بالضبط ما ينتقده فيه خصمه. هذا ما يجعله يتمسك بوجهة نظره ويجعله ضحية النقد المتمثل في عدم المبالاة بالمعتقدات و الطابع الذي يجعل الأديان متماثلة، مادامت أنها تضمن الفضيلة، مما يجعلها قريبة فعليا من الخطابات الربوبية.

الحقيقة أن هجوم لامبر دو فيلتايسن كان مركزا بشكل دقيق، وبالتالي كان يتطلب من اسبينوزا ردا قويا. نرى هنا مدى محدودية «الحياد القيمي» الذي أشار إليه كارل ياسبيرز كسمة مشتركة بين اسبينوزا و فيبر([118]).

لابد من الاعتراف أن اسبينوزا، في معالجته لمفهوم النبي، ارتبط بنموذج كتابي انجيلي صارم، ميز فيه، كما يقعّد ذلك الكتاب المقدس، بين النموذج المتحقق للرسول، ونقصد به موسى، الذي كلمه الله «جهرة»، ونموذج باقي الرسل، النبيئين، الذين كانوا مجرد مؤولين لكلام الله، ويمتلكون مع ذلك معرفة طبيعية([119]). سيتم تفجير هذا النموذج بشكل مضاعف من خلال توسعة العهد الجديد المتمركز حول شخصية المسيح. فهذا الأخير «قد أُرسل [بدءا] هداية لا لليهود وحدهم، وإنما للناس أجمعين([120])»؛ ثم بعد ذلك تلقى، وهو المزود بروح «تفوق بكثير الروح الإنسانية»، الوحي الإلهي «بشكل مباشر، دون كلام ولا رؤى([121])»، «من روح إلى روح». إذ «لم يكن المسيح نبيا وإنما كلمة الله([122])» حسب اسبينوزا.

لكن ما المكانة التي يخصها اسبينوزا لصاحب الدعوة الإسلامية؟ إنها بالتأكيد نفس المكانة التي تعطيها له الديانتين المسيحية واليهودية، أي «نبي كذاب». وقد سبق لإخوان اسبينوزا اليهود أن اتهموا محمدا بالمدينة المنورة بكونه «مجنون([123])»، هاجم وسخر من العهد القديم([124]). وبعد مرور قرون عديدة، ولم يستعمل حاخامات آخرون، كابن ميمون مثلا([125])، تعبيرا آخر غير «مجنون» لوصف نبي الإسلام. وباصطلاح اسبينوزا لا هذا يعني حرمان محمد من المعرفة والعقل السوي. هذا بالفعل ما عبر عنه الفيلسوف في أفكار ميتافزيقية، حيث يستبعد القرآن والتلمود لكونهما بحسبه يفتقران للنور الطبيعي([126])، الذي نجده لدى أنبياء الإنجيل. ولهذا السبب جعل اسبينوزا من محمد نبيا كاذبا والإسلام «خرافة» منتشرة ظلت، مع ذلك، ثابتة منذ بزوغها.

هل كان اسبينوزا يجهل حتى وجود مذاهب في الإسلام، كما اعتقد بذلك البعض([127])؟ احتمال ذلك جد ضعيف؛ ويكفي أن نستشهد فقط بدلالة الحائرين، ، لتقديم صورة عن هذا الأمر. فهل كان يجهل بوجود مذهبين متمايزين في الإسلام، كل منهما يشمل مذاهب فرعية عديدة؟ الواقع أن ما ألمح إليه اسبينوزا، باعتباره هولنديا حقيقيا، و أحيانا مؤمنا ببروتستانتية راديكالية([128])، هو تلك الانقسامات المؤدية للقطيعة، كما حدث تماما مع الإصلاح الديني. وفي نهاية المطاف، ألم يتأسف المصلح جمال الدين الأفغاني عن عدم وجود لوثر آخر في الإسلام؟

 

5- قرآن سبينوزا

حقيقة واحدة تجذب الانتباه بقوة: في الرسالة اللاهوتية والسياسية يشع القرآن بغيابه، إن جاز القول. فإن اقتصرنا على الفصول الخمسة عشر الأولى على الأقل، يمكن القول أن الكتاب المقدس الإسلامي كان يستحق اهتماما أكثر من تلك «القصائد الدرامية» البسيطة وال«وقائع المتسلسلة العادية([129])». لنقل بداية أن القراءة السريعة للقرآن ستسمح باستخلاص ال«مبادئ السبعة للإيمان الكوني» التي يجعل منها اسبينوزا أساس الطاعة الحقيقية لله([130])، وذلك على غرار مواد الإيمان الثلاثة عشر التي أقامها موسى بن ميمون. هذه المبادئ هي: الله موجود([131])؛ هو الواحد([132])؛ المطلق الوجود([133]) والعلم([134])؛ القاهر بإرادته الرحيمة الواسعة([135])؛ وأن العدل و الرحمة أساس كل عبادة وطاعة لله([136])؛ وأن الخلاص يكون بقدر احترام هذه العبادات([137])؛ وأن الله غفور([138]).

هل يكون اسبينوزا قد أغفل بشكل متعمد مصدرا خصبا في بحوثه الخاصة؟ هل صحيح أنه فكر في أسس العقيدة «الكاثوليكية» باعتماد الإنجيل لوحده؟ كل المعطيات غير مؤكدة تماما، ويمكننا تخيل الفيلسوف اليهودي مشتغلا على فك شفرات سور الكتاب المقدس الإسلامي، الذي كان يمتلك منه نسخة، كما تؤكد ذلك سيرته الذاتية([139])، رغم أنه، فيما بعد، افتُقِدت تماما من قائمة مكتبته([140]). هذا ما تؤكده شهادة أحد معاصري اسبينوزا، يدعى يوهان كريستوف شتورم، الذي أشار، في بحث له قام به سنة 1677 حول ديكارت والديكارتية، إلى أن اسبينوزا كان لديه نسخة من القرآن، يضعه في مكتبته جنب التلمود والإنجيل([141]). ثم إن الفيلسوف، كما سبق لنا قوله، يذكرهم سوية في كتابه أفكار ميتافزيقية.

هذه الجزئية تذكرنا بيهودي آخر، إغنز جولدزيهر، الذي يعتبر من أبرز ممثلي علم الدراسات الإسلامية الحديث. لقد كان، هو الآخر، يضع فوق مكتبه الكتب المقدسة للديانات التوحيدية الثلاثة. وهو إن لم يُخف تعاطفه مع «القديس» الهولندي، فلأنه، هو الآخر، قد «حورب من طرف إخوانه في الدين»، ونعتوه بالعقوق بعد نشر مقالته حول الأسطورة لدى اليهود، وجعلوا منه ذا ميول اسبينوزية! و مع ذلك لا يمكن القول أن فقه اللغة القرآني للعالم النمساوي-الهنغاري لم يكن أبدا مدمِّرا إلى حد كبير مثل الذي مورس على الإنجيل في الرسالة اللاهوتية والسياسية. فمقارنة بغوته الذي عرف كيف يزاوج في شخصيته بين الإسلام والسبينوزية، وجد غولدزيهر بالمثل «سلوكا حياتيا» في القرآن([142]).

بطريقة ما، ثمة شيء من سيرفي  Servet في منهجية اسبينوزا([143])، بالمعنى الذي يجعل القرآن، لديهما سويا، يلعب دورا جد متناقض، كشاهد على التوحيد «الموحّد» (سيرفي) أو «الديانة الطبيعية» (اسبينوزا)، و، في نفس الوقت، كحجة تسهم في إنكار الدين. من هذه الزاوية، لربما يكون الدين الإسلامي شاكرا لغولدزيهر كونه من أقل «سبينوزيي» عصره الذين أخضعوا القرآن للنقد.

حاليا، من الصعب معرفة الترجمة التي كان اسبينوزا يتوفر عليها. فمن الممكن، باعتباره يتقن قراءة وكتابة اللغة الفرنسية([144])، أن يكون يتوفر على قرآن محمد من ترجمة أندريه دي ريير([145])، الذي كان قنصلَ فرنسا بالقاهرة، ثم بقسطنطينية. إنها النسخة، التي أعيد نشرها مرارا والتي اشتُهرت بكونها الأسوأ من بين مثيلاتها، وكان لها تأثير قوي على عقول قراء القرنين السابع عشر والثامن عشر يماثل التأثير الذي مارسه البطرس المبجل نيقولاس الكوزاني، و كذا تأثير الرد على القرآن لريكولدو دي مونتي على مارتن لوثر. تلك النسخة كانت إلى حد كبير السبب في اعتبار القرآن «تعبير غير متماسك» و «فوضى بشعة وبربرية»، التي نجد صداها في أحايين كثيرة ممتدا إلى الرسالة اللاهوتية والسياسية، كما رأينا ذلك سابقا، بل وحتى في فلسفة الأخلاق لدى فولتير([146]). نفس الشعور نجده لدى فانيني، مثلا، لكن مع اختلاف في كون الفيلسوف الإيطالي لم يميز في هذا الشأن بين الإنجيل والقرآن، وأن الأول بالنسبة إليه لم يكن «سوى أقمشة نسيج مخاطة في أوقات متفرقة، جمَعها عدة أشخاص وقُدمت للناس حسب نزوات الحاخامات [...] كتاب مقدس لم يعد به نظام ولا منهج كما هو الحال بالنسبة ل قرآن محمد، الذي لا يفهمه أحد، لترجمته المرتبكة والغير مفهومة([147]

صحيح، في نفس الوقت، أنه لم يعد أحد يمثل الإسلام خلال القرن السابع عشر ، ومند مدة، من الناحية الفلسفية أو اللاهوتية من قيمة الغزالي، وابن حزم أو الباقلاني، الذي يمكن الرجوع إليه أو حتى مواجهته. قطعا، لقد كان ارنست رينان محقا حين اندهش أمام الواقعة، التي يراها ذات دلالة، المتمثلة في كون «الفلسفة العربية تعطي مثالا فريدا لثقافة سامية أُقبرت تقريبا بشكل فوري دون أن تترك أثرا، ونستها الأمة التي أنشأتها([148])». وقد كان الهرَم ابن رشد، حسب تصور ليون غوتييه، بالنسبة ل«للفكر الفلسفي اليوناني-العربي بمثابة الوصلة الأخيرة من الألعاب النارية الرائعة».

أمام وجود فراغ مماثل، أصبحت الطريق مفتوحة أمام ما يقدمه التجار من معلومات معرفية([149])، خصوصا منها تلك المستثمرة من قبل شركة الهند الشرقية القوية الانتشار. فمنذ التأسيس الرسمي لهذه الشركة بداية القرن السابع عشر، ذات الرأسمال الذي يقدمه جزئيا اليهود الذين تمسَّحوا طوعا أو كرها، أصبحت لها علاقات معقدة مع الإسلام. والحق أن هذه العلاقات كانت قد بدأت منذ 1598 مع ما سيسمى بجزر الهند الشرقية الهولندية، بعد أن فتح المستعمر الهولندي كورنيليس دي هوتمان أول مكتب له بسومطرة، قبل أن يتم إعدامه من قبل السلطان آتشيه. لابد من التذكير أن لأرخبيل الإندونيسي كان، منذ بداية القرن الخامس عشر ، قد اعتنق –بأجمعه تقريب- الإسلام الذي حمله التجار الهنود والعرب.

اسبينوزا نفسه، وقد كان في شبابه تاجرا([150])، وكان يعاشر دوما أصدقاء تجار أو أبناء تجار، لبعضهم علاقات تجارية مع الشرق الأوسط والشرق الأقصى. ومن غير المستغرب أن يكون الفيلسوف محيطا بالسياسة « الشرقية» للشركة، التي امتدت أنشطتها إلى اليابان([151]). كما كان، باعتباره أوروبيا نيّرا، جد منتبه أيضا للموقف الذي يجب اتخاده من الأتراك([152])، الذين لا مفر من إقامة علاقات تجارية معهم([153]). إنها، بمعنى من المعاني، الواقعية التي امتدحها نتشه في شخصية ال«قديس» غوته([154]).

 

خاتمة 

هناك ما يشي كون اسبينوزا، الفيلسوف الحداثي، وريثا للفكر اليهودي الإسلامي. وإن أمكننا أن نرى فيه رُشْدِياً حداثيا، فهذا لن يؤثر بأي حال على أصالته الفلسفية التي لم يعد من الممكن التنصل منها، والتي يمكن للفلسفة العربية أن ترى فيها تجاوزها الخاص. ومن شأن دراسة شاملة ومعمقة أكثر أن تسلط الضوء على هذا المكون من تفكيره، الذي يرجع الفضل فيه بقدر كبير إلى علاقاته مع اسبانيا ولثقافته اليهودية. هذه الثقافة التي تدهورت إثر الاضطرابات المشيحية messianiques التي كانت المنطقة الإسلامية مسرحا ووعاء لها. كنا نرغب الحصول على معلومات أكثر حسما حول ردود فعل اسبينوزا تجاه تلك الاضطرابات، و لا يمكننا إلا أن نأسف على هول هذا الفراغ، خصوصا ونحن نعرف وضوح الرجل السياسي من الخلاص الديني  sotériologique، أي وضوحه المتعلق بعلم الخلاص وبالمنقذ [المهدي المنتظر]. إلا أننا نرى أن ما سيوضح بجلاء مسألة علاقات الفيلسوف الهولندي بالإسلام، هو بالتأكيد الكشف عن نسخة القرآن التي توفرت له. هكذا سيتكشف لنا المكانة التي حضي بها الكتاب المقدس الإسلامي [القرآن] سواء في الرسالة اللاهوتية والسياسية أم في الأخلاق، ولربما فهمنا عندها ما يدين به اسبينوزا للإسلام. لكن سيكون بإمكاننا أيضا فهم أقصى ما يمكن للإسلام أن يستفيده من السبينوزية.             

 



المصدر

*  - Djedi, Y. (2010). « Spinoza et l’islam : un état des lieux ». Philosophiques, 37(2), 275–298. doi:10.7202/045184ar

الهوامش

The Philosophy of Spinoza, Cambridge/London, Harvard University Press, 1934.[1]

The Philosophy of the Kalam, Cambridge (Mass.)/London, Harvard University Press, 1976.-[2]

[3].  - Cf. son avertissement dans B. Spinoza, OEuvres complètes, Paris, Gallimard, 1954, p. 7

[4] - S. Munk, Mélanges de philosophie juive et arabe, Paris, Vrin, 1955, p. 511. Cf. aussi H. A. Wolfson, The philosophy of the Kalam, op. cit., p. 739.

.[5]  S. Munk, op. cit, p. 333

[6] --     « Spinoza et ses rapports avec Maïmonide et Moïse Mendelssohn », in Spinoza, science et religion, De la méthode géométrique à l’interprétation de l’Écriture sainte, Paris, Vrin, 1988, p. 7. Cf également M. Hulin, « Spinoza l’Oriental ? », in Cahiers Spinoza [éd. Réplique] (1983), n° 4, pp. 139-170 ; O. Lacombe, « Spinoza et les philosophies de l’Inde », in Revue de synthèse (1978), XCIX, 3e série, n° 89-91, pp. 143-147 ; J. D. Sanchez Estop, « Ibn Tufayl et= =Spinoza, une rencontre en exil », in F. Haddad-Chamakh et Baccar-Bournaz, L’écho de la prise de Grenade dans la culture européenne aux XVIe et XVIIe siècles, Tunis, Cérès Editions, 1994, p. 279

[7] - Y. Djedi, Max Weber et l’islam, Lyon, ENS, 2006, pp. 222-223 ;Y.-T. Lai, « The Linkingof Spinoza to Chinese Thought by Bayle and Malebranche », in Geneviève Loyd (ed.), Spinoza. Critical Assessments, London/ New York, Routledge, 2001.

[8]  - M. Hulin, loc. cit., p. 145.

[9]   - Das religiöse Bewußtsein der Menschheit im Stufengang seiner Entwicklung, Berlin,Dücker, 1882, p. 543.

[10]  - Spinoza, Paris, Calmann-Lévy, 1877, p. 9. Comparer avec le Court traité, I, chap. IV.

[11]  - OEuvres complètes, III, Paris, Calmann-Lévy, 1949, pp. 51, 145, 148-149, 151-152,158-160.

[12]  - Ibid., p. 163.

[13]  - Lettre XX, in B. Spinoza, OEuvres complètes, pp. 1183-1201.

[14]  - The Philosophy of Spinoza, I, op. cit., p. 190 et n. 3.

[15]  - Essais de critique et d’histoire de philosophie, Paris, Alcan, 1902, pp. 109-117.

[16]  - Cf. S. v. Dunin Borkowski, Spinoza, I : Der junge De Spinoza. Leben und Werdegang im Lichre der Weltphilosophie, Münster i. W., Aschendorff, 1933 (la première édition date de 1910), pp. 225-226

[17]  --     «Overeenkomst van Spinoza’s wereldbeschouwing met de Arabische wijsbegeerte », in Tijdschrift voor wijsbegeerte (1920), XIV et « De consensus metaphysicae Spinozanae cum philosophia Arabica sive Moslemitica », in Chronicon Spinozanum (1922), II, pp. 14-19

[18]  - Revue de synthèse (1978), XCIX, 3e série, n° 89-91, pp. 151-173.

[19]  - Id., loc. cit., pp. 153-155.

[20]  - Cf. pour une vue d’ensemble notamment M.-R. Hayoun, Les Lumières de Cordoue à Berlin. Une histoire intellectuelle du judaïsme, Paris, Lattès, 1996.

[21]  - Cf. sur les rapports de Spinoza avec Maïmonide notamment A. Chennoufi , « Spinoza et Maïmonide », in H. Haddad-Chamakh et A. Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 259-265 ; J. I. Dienstag, « The Relations of Spinoza to the Philosophy of Maimonides : An annotated Bibliography », in Studia spinozana (1986), II, pp. 375-416 ; E. M. Curley, « Maïmonide, Spinoza et le Livre de Job », in Architectures de la raison. Mélanges offerts à Alexandre Matheron, Fontenayaux- Roses, ENS Editions, 1996, pp. 103-135

[22]  - Guide des égarés ( S. Munk, dir.), op. cit., II, pp. 81-82, 185-186 ; III, p. 222

[23]  -  Ibid., II, p. 81

[24]  - Ibid., II, p. 86

[25]  - .Ibid., I, p. 404 ; II, pp. 126-127, 139, 159-160 ; III, p. 139

[26] - Ibid., I, p. 383

[27]    - Cf. S. v. Dunin Borkowski , op. cit., pp. 228-229

[28]  - F. Haddad-Chamakh, « Écho du récit du Philosophe autodidacte d’ibn Thofail dans la culture européenne du xviie siècle », in id. et Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 270-271

[29]  - S. Dunin Borkowski, op. cit., p. 229

[30]  - J. D. Sanchez Estop, « Ibn Tufayl et Spinoza, une rencontre en exil », in F. Haddad-Chamakh et Baccar-Bournaz, op. cit., p. 279.

[31]  -31. S. v. Dunin Borkowski, op. cit., p. 556, n. 42.

[32]  - Domínguez, « Las fuentes de los Cogitata metaphysica. Analogias lexicas con Suárez y Heereboord », in P. Totaro (dir.), Spinoziana. Recerche di terminologia fi losofi ca e critica testuale, Roma, Leo S. Olschiki, 1997, pp. 63-89

[33]  -Domínguez, loc. cit., pp. 66-67. Il faut ajouter par ailleurs qu’en fait de legs scientifi que musulman, Spinoza possédait deux exemplaires du De sphera, où Jean de Hollywood avait condensé toute la science astronomique des Arabes (A. J. Servas van Rooijen, op. cit., p. 134). Le philosophe s’en était servi pour la composition de son Traité de l’Iris ou de l’arc en ciel, (cf. Jean Colerus in B. Spinoza, OEuvres complètes, op. cit., p. 1531). Cela montre au moins que l’intérêt de Spinoza pour la science arabe n’était pas moindre que celui de Leibniz, dont on connaît l’admiration pour celle-ci

[34]  -  Arnaldez, loc. cit., pp. 151-152

[35]  - Ap H. Sérouya, La pensée arabe, Paris, P.U.F., 1962, p. 120

[36]  - Cf. F. Haddad-Chamakh, « Foi et philosophie chez Spinoza et les péripatéticiens arabes — Spinoza et Averroès », in Spinoza, sciences et religion, op. cit., pp. 165-166

[37]  - F. Haddad-Chamakh, loc. cit., pp. 157-164. Le problème a été traité encore plus récemment par Ahmed Alami avec sa contribution, « Spinoza et Averroès », lors du colloque Spinoza aujourd’hui, Cenisy-La-Salle, Centre Culturel International, du 20 au 30 juillet 2002

[38]  - Cf. p. ex. A. Badawi, Quelques figures et thèmes de la philosophie islamique, Paris, Maisonneuve et Larose, 1979, pp. 104-111

[39] - Cf. le résumé allemand, « Das Problem der Beziehungen zwischen Philosophie und Religion bei Ibn Sina und Spinoza », de sa contribution en turc sur le même thème, in UluslararasiIbn Sina sempozyumu bildirilerri, Ankara, 1984, pp. 412-413

[40]  - R. Arnaldez, loc. cit., pp. 154-155

[41]   - «Spinoza et Ibn Bajja », in F. Haddad-Chamakh et A. Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 301-307

[42]  - «Filósofos hispano-musulmanes y Spinoza : Avempace y Abentofail », in Domínguez (A.) (éd.), Spinoza y España, Castilla-La-Mancha, Ediciónes de la universitad de Castilla-La-Mancha, 1994, pp. 125-132

[43]  - Promesses de l’Islam, Paris, Seuil, 1981, p. 52

[44]  -« El Mahāsin al-maŷālis de ibn al-<arīf y la Etica de Spinoza », in La ciudad de Dios (1990), 203-3, pp. 671-687

[45]  - Cf. Y. Djedi, op. cit, pp. 148-149. On peut consulter encore pour Spinoza l’article très succinct de Madeleine Francès, « La morale de Spinoza et la doctrine calvinienne de la prédestination », in Revue d’histoire et de philosophie religieuses, juil/oct. 1933, pp. 401-408, et a contrario M. Beltrán, « El antipredestinacionismo de Spinoza », in Cuadernos del Seminario Spinoza (1992), II, pp. 1-18

[46]  - Y. Djedi, op. cit., p. 162 et n. 52.

[47]  - Loc. cit., p. 172.

[48]  - «Bibliographie arabe sur Spinoza », in Archives de philosophie (1990), LIII-4, pp. 1-5 ; « Spinoza chez les Arabes du xxe siècle », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, pp. 45-85

[49]  - «Le miracle chez Spinoza et Ibn Rochd : parenté et différence entre les deux approches », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, pp. 35-44

[50]  - «Révélation et interprétation chez Spinoza et Ibn Rochd », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, p. 21-34 ; « Spinoza et Maïmonide », in F. Haddad- Chamakh et A. Baccar-Bournaz (dir.), op. cit., pp. 259-265

[51]  - Philosophie systématique et système de philosophie politique chez Spinoza, Université de Paris X, 1977

[52]  - «Liberté individuelle et paix civile d’après le Traité théologico-politique de Spinoza »,in Cornelis de Deugd (ed.), Spinoza’s political and theological thought, Amsterdam, North  Holland publishing Company, 1984, pp. 44-55 ; « L’imagination chez Spinoza », in P. Cristofolini (ed.), Studi sul Seicento e sull’imaginazione, Scuola normale superiore di Pisa, 1985, pp. 75-94

[53]  - «Foi et philosophie chez Spinoza et les péripatéticiens arabes — Spinoza et Averroès », loc. cit

[54]  - Comparer avec l’article de V. Peña García, « Baruch Espinoza, entre la necesidad y el deseo », in El-País du 11-12-1977

[55]  - Le travail du coranique, Paris, E.H.E.S.S., 1995

[56]  - Notamment Le Coran, autre lecture, autre traduction, Paris, Éditions de l’Aube,2002 ; Nous n’avons jamais lu le Coran, Paris, Éditions de l’Aube, 2004

[57]  - «Le Coran : histoire d’un texte », Université de Lyon II, 15 janvier 2005 (actes non publiés) 

[58]  - Cf. l’introduction d’Atilano Domínguez dans Spinoza y España, op. cit., pp. 9-13 ; H. Méchoulan, « Spinoza et l’Espagne », Cuadernos salmantinos de filosofia (1984), XI, pp. 435-459

[59]  - Pensées, Paris, Librairie générale française, 1962, §§ 394, 399-404, 407, 413, 482

[60]  - R. Arnaldez, loc. cit, p. 158

[61]  - Cf. inter alia G. Nahon, « Amsterdam, métropole occidentale des Séfarades au xviie siècle », in Cahiers Spinoza, n° 3, éd. Réplique, 1980, p. 15-50

[62]  - D. Lindenberg, Figures d’Israël, Paris, Hachette, 1997, p. 49

[63]  -Ce grand théologien venu d’Afrique du Nord accompagna Menasseh ben Israël dans sa mission auprès de Cromwell en faveur du retour des juifs en Angleterre. Après sa disgrâce à Tlemcen, le roi du Maroc, Moulay Ismail — probablement sur l’insistance de son conseiller Daniel Toledano qui était aussi le beau-père de Sasportas — le rappela d’Amsterdam pour lui confi er une mission spéciale auprès du souverain espagnol. Sasportas deviendra, bien après la mort de Spinoza, et à un âge vénérable, rabbin de la communauté juive portugaise d’Amsterdam. Son fi ls Itzhak, qui lui succédera à cette charge, avait pris part lui aussi à une ambassade marocaine, chargée par le même sultan de conclure des accords de paix et de commerce avec la Hollande

[64]  - E. Renan, OEuvres complètes, Paris, Calmann-Lévy, 1852, III, p. 146

[65]  - Y. H. Yershalmi, Sefardica. Essais sur l’histoire des Juifs, des marranes et des nouveaux-chrétiens d’origine hispano-portugaise, Paris, Chandeigne, 1998, pp. 16-19

 [66]  «Spinoza et Shabatai Zvi : rationalisme contre messianisme ? », in F. Gerson et A. Percival (ed.), Cultural Marginality in the Western Mediterranean, Toronto, New Aurora Edition, 1990, pp. 80-81

[67]  - G. Maruani, ibid., p. 80

[68] - Cusary. Libro de grande sciencia y mucha doctrina… compuesto en la lengua Arabiga por Yeuda Ievita y trad. en la lengua santa y agora nuev. trad. del Ebrayco en Español y comentado por Jaacob Abendana. Il s’agissait là de la traduction espagnole à partir de la version hébraïque effectuée au xiie siècle par ibn Tibbon, et non pas de la traduction arabe, comme le laisse voir la notice bibliographique d’Atilano Domínguez (op. cit., p. 32, n. 157

[69]  - Cf. son introduction dans The Correspondence of Spinoza, A. Wolf (ed.), New York, Russel & Russel, 1966, op. cit., pp. 51-52. Cf. aussi J. D. Sanchez Estop, loc. cit., p. 280

[70]  - Cf. p. ex. L. I. Conrad, « Research Resources on ibn Tufayl and Hayy ibn Yaqzān », in id. (ed.), L. I. Conrad (ed.), The World of ibn Tufayl. Interdisciplinary Perspectives on Hayy ibn Yaqzān, Leiden/New York/Köln, E. J. Brill, 1996, pp. 275-276

[71]  - Loc. cit., p. 271

[72]  - Spinoza et son cercle : étude critique historique sur les hétérodoxes hollandais, Paris, Vrin, 1983, p. 487

[73]  - Cf. p. ex. G. A. Russel (ed.), The “Arabick” Interest of the Natural Philosophers in Seventeenth-Century England, Leiden/New York/Köln, Brill, 1994

[74]  - Cf M.-R. Hayoun, « Le commentaire de Moïse de Narbonne sur le Hayy bIn Yaqzān d’ibn Tufayl », in Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Âge (1988), pp. 27-99 ; id. et A. De Libera, op. cit., Paris, P.U.F., 1991, pp. 60, 66-67

[75]  - M.-R. Hayoun et A. De Libera, Averroès et l’averroïsme, Paris, P.U.F., 1991, pp. 54-67 ; M.-R. Hayoun, La philosophie médiévale juive, op. cit., pp. 104-105

[76]  - M.-R. Hayoun, Le judaïsme moderne, Paris, P.U.F., 1989, p. 9

[77]  - J. D. Sanchez Estop, loc. cit., p. 280

[78]  - Id., loc. cit., pp. 281-288

[79]  - Cf. l’article d’Emily Kugler, « Islam in England : Debating Protestantism in the Ibn Tufayl Translations 1671-1708 », à paraître dans Studies in Eighteenth-Century Culture (2007). On peut consulter en attendant les mêmes développements dans sa dissertation, Representations of Race and Romance in Eighteenth-Century English Novels, University of California, San Diego, 2007, pp. 94-114

[80]  - E. Renan, OEuvres complètes, op. cit., III, p. 91

[81]  - M.-R. Hayoun, Moïse Mendelssohn, op. cit., p. 45 ; id., La science du judaïsme, Paris, P.U.F., 1995, p. 9

[82]  - Lettre de 1697 à l’abbé Nicaise, citée ap. F. Haddad-Chamakh, loc. cit., p. 272

[83]  - Cf. inter alia R. Kruk, « Neoplatonists and after : from Ibn Tufayl to Ibn an-Nafīs », in A. Vanderjagt et D. Pätzold (eds.), The Neoplatonic Tradition, Jewish, Christian and Islamic Themes, Köln, Dinter, 1991, pp. 75-85. Comparer avec L. Gauthier, Hayy ben Yaqdhân, roman philosophique d’Ibn Thofaïl, Beyrouth, Imprimerie catholique, 1936, pp. 116-120. Cf. pour Spinoza, notamment P. O. Kristeller, « Stoic and Neoplatonic Sources of Spinoza’s Ethics », in History of European Ideas, V-1, 1984, pp. 1-16

[84]  - Traité théologico-politique, XII

[85]  - Cf. p. ex. J. Bouman, Glaubenskrise und Glaubensgewißheit im Christentum und im Islam. Die Theologie al-Ghazalis und Augustins im Vergleich, Giessen/Baqel, Brunnen Verlag, 1990, pp. 69-70

[86]  - Préface des Essais de théodicée, op. cit., p. 27

[87]  - G. G. Scholem, Le messianisme juif, Paris, Calmann-Lévy, 1971, pp. 162-163

[88]  - M.-R. Hayoun, Les Lumières de Cordoue à Berlin. Une histoire intellectuelle du judaïsme, op. cit., pp. 386-392

[89]  - G. G. Scholem, op. cit., p. 314

[90]  - M.-R. Hayoun, Le judaïsme moderne, op. cit., p. 27

[91]  - H. Oldenburg, op. cit., lettre XXXIII

[92]  - K. O. Comparer avec Meinsma, op. cit., pp. 326-327

[93]  - Cf. J. A. Pachego Paniagua, loc. cit., p. 682

[94]  - A. J. Servas van Rooijen , op. cit., pp. 111-114

[95]  - G. G. Scholem, op. cit., p. 222

[96]  - G. G. Scholem, Les grands courants de la mystique juive, Paris, Payot, 1968, pp. 317-320 ; id., Le messianisme juif, op. cit., pp. 120, 182-183

[97]  - Sur les Dunmeh, cf. notamment Danon, « Une secte judéo-musulmane en Turquie », in Actes du XIe Congrès international des orientalistes (1897), 3e section, pp. 57-67

[98]  - G. G. Scholem, Le messianisme juif, op. cit., p. 228

[99]  - G. G. Scholem, Le messianisme juif, op. cit., pp. 229-230

[100]  - Traité théologico-politique, chap. III

[101]  - G. Maruani, loc. cit., p. 87

[102]  - Traité théologico-politique, loc. cit. in fi ne

[103]  - Ibid., chap. XVII, XIX

[104]  - Ibid., loc. cit

[105]  - Ibid., chap. III in fi ne

[106]  - Cf. la notice de Charles Appuhn dans son édition des OEuvres de Spinoza, Paris, Garnier Frères, V 1929, II, p. I

[107]  - Traité politique, IV, § 7 ; X, 1

[108]  - A. J. Servas van Rooijen , op. cit., pp. 145-146

[109]  - Le Prince, IV

[110]  - Lettre XLII (déjà citée)

[111]  - Ch. Appuhn, in op. cit., p. XVI

[112]  - Cf F. Charles-Daubert, « Spinoza et les Libertins — Le Traité des Trois imposteurs ou L’esprit de Spinoza », in R. Bouveresse-Quilliot (dir.), Spinoza, sciences et religion. De la méthode géométrique à l’interprétation de l’Écriture sainte, Paris, Vrin, 1988, pp. 171-181

[113]  - Ibid., lettre XLIII

[114]  - Spinoza, op. cit., lettre XXX

[115]  - Ibid., p. 1542

[116]  - Ibid., lettre LXVII

[117]  - Lettre LXXVI in B. Spinoza, OEuvres complètes, p. 1347

[118]  - Spinoza, München, Piper, 1978, pp. 57-65 ;Y. Djedi, op. cit., pp. 197-198

[119]  - Traité théologico-politique, chap. I

[120]  - Ibid., chap. III

[121]  - Ibid., chap. II

[122]  - Ibid., chap. III

[123]  - Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 97-98

[124]  - Osée, IX, 7 (c’est du moins ce que suggère Jean de Hulster dans son édition de M. Maïmonide, Épîtres, op. cit., pp. 22, n. 69 ; 58 n. 68) ; Jérémie, XXIII, 21-40

[125]  - Op. cit., pp. 22, 58, 61, 71, 94

[126]  - VIII, in fine

[127]  - A. Wolf , op. cit., p. 476

[128]  - Cf. G. Hunter, Radical Protestantism in Spinoza’s Thought, Aldershot, Ashgate, 2005

[129]  - .V

[130]  - Ibid., XIV

[131]  - II, 255 ; III, 2 ; VI, 102 ; XX, 73, 98, 114 ; XXIII, 116 ; XXIV, 25

[132]  - II, 255 ; III, 2, 18, 62, IV, 87, 130 ; VI, 102 ; IX, 129 ; XII, 39 ; XIII, 16 ; XVI, 51 ; XVIII, 38 ; XX, 8, 14, 98 ; XXI, 22 ; XXIII, 91, 116

[133]  - II, 247, 261, 268 ; III, 73, 189 ; IV, 108 ; V, 54 ; VII, 54 ; XXIV, 32

[134]  - II, 85, 95, 96, 137, 140, 144, 149, 197, 216, 224, 232, 233, 247, 256, 261, 268, 271, 282 ; III, 29, 34, 36, 66, 73, 121 ; IV, 17, 26, 92, 104, 108, 111, 126, 148, 176 ; V, 54, 76, 99 ; IX, 60, 97, 98, 110 ; XIII, 8 ; XVI, 19 ; XVIII, 26 ; XX, 98 ; XXII, 52 ; XXIV, 18, 19, 21, 28, 29, 32, 35

[135]  - II, 90, 105, 148, 212, 213, 220, 228, 247, 251, 253, 284 ; III, 4, 13, 29, 40, 129 ; IV, 90, 158 ; V, 17, 19, 38, 40 ; IX, 39 ; XIII, 11, 26, 39 ; XIV, 27 ; XVIII, 39 ; XXII, 40 ; XXIV, 45

[136]  - II, 3, 5, 177, 178, 190, 195 ; III, 57, 72, 92, 104, 110, 134-136, 148 ; V, 8 ; XXII, 41, 56, 76 ; XXV, 67, 68, 72 ; LXIV, 16

[137]  - II, 2-5, 82, 197 ; III, 57, 101, 102, 114 ; V, 9, 93 ; VII, 42 ; XXI, 93 ; XXII, 23, 24, 50, 56 ; XXXIII, 1-10 ; XXIV, 37, 38, 52, 55

[138]  - II, 143, 187, 218, 221, 225, 268 ; III, 30, 31, 129, 135, 155 ; IV, 25, 96, 99, 100, 152 ; V, 71, 74, 95, 101 ; VIII, 29, 33, 70 ; IX, 91 ; XII, 92 ; XXIV, 22

[139]  - J. Freudenthal, op. cit., p. 209

[140]  - A. J. Servas van Rooijen, op. cit. ; J. Freudenthal, op. cit., pp. 210 sq. ; id., Die Lebensgeschichte Spinozas : in Quellenschriften, Urkunden und nichtamtlichen Nachrichten, Leipzig Veit, 1899, p. 160. Cf. l’inventaire reproduit par Jean Préposiet dans sa Biographie spinoziste, Paris, Les Belles Lettres, 1973, pp. 339-343

[141]  - De Cartesianis et cartesianismo, Altdorffi , Schönnerstaedt, 1677, pp. 13-14

[142]  - Cf. Y. Djedi, op. cit., pp. 503-508

[143]  - Cf. p. ex. F. Carrasquier, « De Servet a Spinoza », in Spinoza y España, op. cit., pp. 139-145 ; id., Servet, Spinoza y Sender. Miradas de Eternidad, Zaragoza, Prensas Universitarias de Zaragoza, 2007

[144]  - Cf. p. ex. G. Van Suchtelen, « Une lettre de Spinoza inédite en français », in Bulletin de l’Association des Amisa de (Spinoza, n° 10, 1983, pp. 1-5

[145]  - Paris, Antoine de Sommaville, 1647

[146]  - Cf. P. Martino, « Mahomet en France aux xviie et xviiie siècles », in Actes du XIVe Congrès international des orientalistes, III, 1905, p. 160

[147]  - Cité ap. F. Charles-Daubert, loc. cit

[148]  - E. Renan, op. cit., p. 13

[149]  - Cf. p. ex. C. F. Beckingham, « Dutch Travellers in Arabia in the Seventeenth Century », in Journal of the Royal Asiatic Society, I/II, n° 3/4, 1951, pp. 64-81

[150]  - Cf. Y. Djedi, « Max Weber et le spinozisme ou la “conduite de vie” du “sage” », in Le Portique, e-portique 5 — 2007, Recherches

[151]  - Cf. Traité théologico-politique, V et XVI in fine

[152]  - Ibid., XVI in fine

[153]  - B. Braude, « Les contes persans de Menasseh ben Israel », in Annales HSS (1994), n° 5, pp. 1107-1138

[154]  - Y. Djedi, loc

  

تعليقات