📁 آخر الأخبار

البيداغوجية وعلوم التربية: علاقة صعبة






اقرأ أيضا: علوم التربيةاليوم

البيداغوجية وعلوم التربية: علاقة صعبة

جون هوساي

 

في أكتوبر، 1967، ظهر العدد الأول من المجلة الفرنسية للبيداغوجية، التي أشرف على إصدارها المعهد الوطني للبيداغوجية، وهي السنة نفسها التي تم إضفاء الطابع المؤسساتي على مناهج الدراسة الجامعية لعلوم التربية. البيداغوجية... علوم التربية... كيف يمكن التمييز بينهما؟ المقال الأول الذي تصدّر العدد الأول من المجلة، الذي كان بقلم جون شاتو، والذي يقدم نفسه ك«أستاذ للبيداغوجية بكلية الآداب ببوردو»، مقالٌ طمَح لأن يكون جد واضح بشأن هذه المسألة؛ في مقالته التي كانت تحت عنوان «من أجل تربية علمية»، يقول: «نصطدم دوما بغياب معايير صلبة. البيداغوجية وحدها تظل عاجزة هنا، ذلك لأنها لا تدرك قط المادة التي تشتغل عليها، ولا الأدوات التي تستخدمها. لذا يفتقر البحثُ إلى أساسٍ متين... مما يوجب علينا التوجه نحو علمِ النفس... فهو وحده قادر على توفير الأسس الصلبة لبيداغوجية صالحة... بدون علم نفسٍ كافٍ، لا يمكنني إلا أن أخبط خبط عشواء... فالقاعدة المنطقية التي يجب اتباعها هي: علم النفس أولا، ثم البيداغوجية ثانيا» (1967, p. 10). وبعبارة أخرى، غدَا على البيداغوجية أن تصبح تطبيقا لعلم النفس العلمي في مجال العلوم التربوية. لقد آن الأوان للتصدي لقصورها الفادح وذلك باستخدام «علم نفسٍ كافٍ».

من يكون جون شاتو إذن؟ لقد اقترح، سنة 1962 وهو أستاذ علم النفس ببوردو، إنشاء «إجازة بيداغوجية» بكلية الآداب (أربع شهادات: التاريخ، وعلم النفس، والفلسفة والبيداغوجية، بيداغوجية علم النفس الفيسيولوجي والإكلينيكي). ستتخصص هذه الإجازة لأساتذة المدارس العادية المُكلفين بتكوين المعلمين. وقد تردد في تسميتها إجازة في علوم التربية، أوإجازة في علم النفس البيداغوجي أو إجازة في البيداغوجية. موريس دوبيس، أستاذ علم النفس بالسوربون قام، سنة 1963، بتعديل هذا المشروع واقترح أربع شهادات (الفلسفة، التاريخ، علم النفس، علم المناهج). كما رغب في افتتاح شعبة المفتشين والإدارة التربوية لمؤسسات إعادة التأهيل.

سنة 1966 كان إصلاح فوشيه مساندا لتنويع التخصصات الجامعية. لم يعد الحديث مقتصرا فقط على شهادة الإجازة، بل تعداها إلى الماجستير وذلك أمام ال«حاجة إلى قاعدةٍ لبحثٍ بيداغوجي فرنسي، يعاني في الوقت الحالي من تأطير سيء للغاية». كانت هناك حاجة إلى تقديم اسم ومحتوى لتخصص جامعي جديد يركز على البيداغوجية. فكان أن بلور موريس دوبيس، في أكتوبر، ورقة محورية تأسيسية بعنوان «مشروع إنشاء شهادة إجازة وشهادة ماجستير في علوم التربية»، تكون قاعدة للحوار مع الوزارة. وحتى لا تكون هناك إجازتين في علم النفس، تم سحب مصطلح علم النفس البيداغوجي. اِذّاك ظهرت حقول جديدة: علم الاجتماع التربوي، التشريع التربوي، التربية المقارنة. هكذا تم، سنة 1967، إنشاء إجازة وماجستير في علوم التربية ببوردو (جون شاتو، 1908-1990  وبِكانْ (غاستون ميالاري، 1918-2016) وبباريس (موريس دوبيس، 1903-1998). فكان أن قطعت علوم التربية نهائيا علاقتها بالتعليم الجامعي التقليدي للبيداغوجية العامة ومع جمهورها. وعلى الرغم من ذلك تظل المسألة البيداغوجية، أكثر من أي وقت مضى، حاضرة إن رجعنا إلى أهداف هذا التكوين: تكوين في البحث التربوي على أساسِ تعدد التخصصات؛ تقديم تكوين بيداغوجي معمق لمدرِّسي جميع الأسلاك؛ الاستجابة لمتطلبات جميع ميادين التربية؛ أن تكون جزءا من منظور دولي (من خلال التربية المقارنة). وباختصار، وكما كانت لنا فرصة الكشف عنه في منشورات عديدة (هوساي، 1997، 2010، 2007 مثلا)، يعتبر الترابط بين البيداغوجية وعلوم التربية أمرا أساسيا و بلوغه ليس بالأمر السهل...

 

من البيداغوجية إلى علوم التربية: سرد تاريخي

لنحاول أولا فكّ خيوط هذا التشابك بتتبع التطور التاريخي. في العصور القديمة والقرون الوسطى، كان واضحا أن الإشكالات التربوية طُرحت فقط في إطار فلسفي ولاهوتي (Marrou,1948). لم يكن طرح هذه الإشكاليات ذات استقلالية خاصة و، حتى إن كان لها أهمية، فهي ليست ذات أولوية. لكن هذا لا يعني  أنها لم تكن مثيرة. سيمكننا، بكل يسر، التأكد من ذلك من خلال الاطلاع على ما كتبه المؤلفون الكبار لهذه الفترات (Riché, 1979). لكنه من الواضح أن البيداغوجية، ولمدة طويلة، قد أُدرجت بشكل مباشر ضمن المبحث الفلسفي وتُقدَّم على أنها، بشكل ما، عنصر غير منفصل عن الفلسفة واللاهوت. ستتغير الأمور في عصر النهضة: فقد غدَا من الممكن جعل المسألة التربوية وحقلها التأملي والعملي ذات استقلالية. إذ من خلال تشجيع البحث الحر ومعانقة التراث الإنساني المشترك المتأصل في الإنتاج المكتوب خلال العصور اليونانية واللاتينية القديمة، نجح عصر النهضة في اظهار ولهٍ شديد بالقضايا التربوية. سيتجلى هذا، من جهة، في وفرة الإنتاج البيداغوجي، وغناه وتنوعه، و، من ناحية أخرى، بتسريع عملية إنشاء المؤسسات التعليمية على مختلف مستوياتها وأنواعها في معظم الدول. فكانت البيداغوجية بمثابة نظرية منهجية ومحدِّدة لعمل التربية وأسسها. بل إن كلمتا التربية والتعليم كلتيهما ستبدوان، في هذه الفترة، متماثلتين. لكننا لا نقول مع ذلك أن البيداغوجية أو التربية قد ولدتا خلال عصر النهضة. دعنا نفترض بكل بساطة أنهما قد شكلتا أكثر فأكثر مجالا معترفا به ومستقلا عن مجموع الميادين المعرفية. ومن ثم فالدافع التربوي ينبع لدى الجميع، متفائلين أو متشائمين، من إعلان إمكانية تكوين الإنسان وقيمه.

سترفع الحداثة من وثيرة هذه الحركة بشكل كبير. فروسو بطوباويته الطبيعانية (1762)، والموسوعيون باهتمامهم المستنير بتقاسم المعارف، وآخرون ممَّن ألهموا ثوارا ومصلحين طمحوا إلى ترك البيداغوجية الإنسانية للقرون السابقة واستبدالها بتربية مُوسّعة، قادرة على إعداد الإنسان لتحمل مسؤوليته الاجتماعية. هذا ساعد على نشر فكرة أساسية تكمن في مسؤولية الدولة على الشؤون التربوية، ستؤدي هي الأخرى إلى نشأة مؤسسة التربية الوطنية. هذا سيمكِّن من قيام تحالف بين التربية، والتقدم والمؤسسة.

قبل ذلك لابد أن يكون التقدم والتربية متتساوقين. نقطة التقاطع هذه سيحدثها فعليا القرن الثامن عشر (Texier 1985). و الفلسفة هي التي ستؤدي، مرة أخرى، إلى هذا التطور. منذ ذلك الحين ستسير التربية والتقدم جنبا إلى جنب، شاهديْن على الاهتمام ببناء تصور عن إنسانية العقل وعقل الإنسانية، رابطيْن في ذات الوقت بين ما هو فردي وما هو تاريخي. وغَدَا التقدم، دون أن يكون خطيا ولا ضروريا، يوجّه معنى الإنسانية ومعنى التربية، أقصد معنى التربية الضرورية للإنسانية. إنْ أصبح هذا ممكنا وقابلا للتفكير فيه، فلأن في صميم الأفكار التربوية للقرن الثامن عشر تمركزت فكرة أساسية وهي: القابلية للاكتمال perfectibilité (يتم اليوم الحديث عن القابلية للتربية). وعلى غرار التسامح، وحرية الفكر ومكافحة العبودية، ستصبح قابلية الاكتمال جزءا من عُدَّة الفلاسفة والبيداغوجيين. فبَدت على أنها، في نفس الوقت، السمة الإيجابية للطبيعة الإنسانية وعلامةً على عدم كفايتها.

التعليم الشامل، الإنسانية المتكاملة، الحرية الموعودة، المساواة المطلوبة... عناصر لن يكون القرن الثامن عشر معها في سياق الانفتاحات وأشكال العظمة. لقد كان هذا القرن، في مجال التربية، بمثابة نقطة تحول رئيسية، ما دامت الأفكار السائدة التي ولَّد، ودافع عنها وشجعها (بيداغوجية، سلطة التربية، تقدم، أولوية الحواس، قابلية الاكتمال) قد سمحت ببناء جوهر الحداثة نفسها. تظافُر العمل بين الفلاسفة والبيداغوجيين سيسمح بهذا البناء إبان القرن الثامن عشر، في خطوة تشبه الصراع والأمل. سيتم ربح رهان هذا الصراع. لذا ستتمكن الحداثة، في القرن لتاسع عشر، من ترك وضعية الانبناء نحو ازدهار مشهودٍ. وسيتحول الأمل إلى حقيقة ملموسة (Gauthier, Tardif, 1996).

القرن التاسع عشر قرن بيداغوجي بالأساس. قد فكّر القرن الثامن عشر كثيرا، بينما حقق القرن التاسع عشر عمليا الكثير. هيمنة الفلاسفة ورجال الدين كانت أقل قوة، في حين كانت هيمنة السياسيين ورجال التربية أكثر وضوحا. وقد وجدت البيداغوجية نفسها، في غالبيتها العظمى، بنتا للدولة وللعلم، وذلك بعد أن كانت بنتًا للدين والفلسفة. سيفرض مصطلح البيداغوجية نفسه على الساحة التربوية، بعد أن ساد الحديث عن التربية العقلانية بداية القرن، وبدأ يدل على تربية قائمة على القوانين العقلية، وعلى العلم السيكولوجي (بالمعنى الواسع لمصطلح علم النفس). ستتحول البيداغوجية إلى علمٍ بيداغوجي، إلى علم للتربية. وحتى يصبح المدرسون، بالخصوص، معلمين حقيقيين، وفعليين و فعالين للأطفال، بات عليهم الارتقاء، في نهاية المطاف، إلى درجة مهنيين تربويين بفضل المعرفة البيداغوجية (وبفضل القيم الجمهورية).

من المنطقي أن البيداغوجية، وكما يقول جون شاتو، كانت تحت رحمة علم النفس. فهذا الأخير، وهو يكشف عن القوانين الطبيعية الإنسانية، يقدم في نفس الوقت الوسائل الواجب توظيفها للتصرف على الوجه الأحسن، بشكل علمي وأخلاقي. إن الممارسة التربوية الجديدة، بعد أن قطعت مع مرحلة التجريب القائم على المحاولة والخطأ، ومع الأساليب العقائدية والخرافات الدينية، من المفترض أن تصبح عقلانية، قابلة للإثبات ومنظمة من قبل العلم. وعلى هذا فإن علم النفس والبيداغوجية مترابطان إلى حد كبير: فالسيكولوجية، باعتبارها نظرية للممارسة البيداغوجية، لا تنفصل عن البيداغوجية التي هي، بدورها، تطبيق للقوانين السيكولوجية. لا غرابة أن تتم مأسسة هذين ال«علمين» في نفس الفترة تقريبا في فرنسا: ففي سنة 1887 ألقى ماريون «محاضرة في علم التربية» بجامعة السربون؛ وتأسس سنة 1889 «مختبر علم النفس» بمدرسة الدراسات العليا في باريس. إن البيداغوجية، بعد تؤكد علم النفس من صلاحيتها، كانت بمثابة الضامنة لعلم النفس باعتبارها الأرضية المناسبة للملاحظة، وأنها بعيدة عن كل التجريدات الميتافيزيقية، والتكهنات الفلسفية والسكولائية الفارغة. وقد حاول دوركهايم، أب علم الاجتماع، جاهدا انتزاع البيداغوجية من علم النفس الروحاني، لكنه طالب هو الآخر كذلك بعلمٍ للنفس أكثر علمية يقف إلى جانب علم الاجتماع بغرض تأسيس البيداغوجية (Durkheim, 1985). وكان على البيداغوجية التجريبية والتربية الجديدة، فيما بعد، بداية القرن العشرين، أن يكون لها حضور واسع حتى تكون البيداغوجية قادرة على المطالبة بوضعية مستقلة مقارنةً بالتخصصات الأخرى والعلوم التي أصبحت علوما إنسانية.

باعتماد حكومات القرن التاسع عشر الأوروبية للتحولات الاقتصادية والسياسية، سيطبقون على أرض الواقع أفكارَ القرن الثامن عشر. بذلك أصبحت التربية شأنا يخص الدولة إلى حد كبير. فمن خلال المشروع الحكومي، بلورت الدولة، ونظمت وأطرت برامج مدرسية. على أي أساس؟ على أساس الفعالية و الكفاءة. كيف يتم تحقيقها؟ من خلال إقامة التربية على معايير ثابتة و نهائية. من أين يمكن الحصول عليها؟ انطلاقا من المبادئ العلمية والعالمية المأخوذة من الطبيعة الإنسانية. من ثمة تكون التربية قد وفت بمعيار الحقيقة، لكونها تتأتى من نظام ثابت، أي الطبيعة، التي يمكن للبيداغوجيين فحصها وإعادة تنظيمها. إن وجود نظام مدرسي متين، يستند إلى بيداغوجية علمية، من شأنه، كما يقال، تعزيز الازدهار المستقبلي الذي يمنح الحياة للعديد من اكتشافات القرن.

 

وضعية البيداغوجية ضمن العلوم التربوية: الاختفاء؟

ها قد أصبح للعلوم الإنسانية سلطة. ستحل، بصرامة شديدة، محل فلسفةٍ كانت تُؤمّن إلى ذلك الحين وظيفة شمولية المعارف والتنسيق بينها. لقد أصبح علم النفس، والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع، والإثنولوجية، وعلم الاقتصاد، واللسانيات كلها علوما تتمحور حول الفهم والفعل، وترسخ نفسها بطريقة ما في صلب القضايا البيداغوجية، ذات خبرة في دلالة المعنى وتنظيم الفعل. هذه العلوم الجديدة، وهي تجعل من نفسها تحررية، لا تكتفي بتعريف الشيء الإنساني، بل هي تعبئ وتوفر دوافع ووسائل العمل. لقد أعطت نهاية القرن التاسع عشر الانطلاقة؛ وعملت بداية القرن العشرين على تسريع العملية وتثبيتها بشكل نهائي. إلا أنه كلما ازداد انتشار العلوم الإنسانية، كلما تزايد الشك بينها، وادعت في الأخير كل واحدة لنفسها بالشرعية دون الأخريات. غاب الانسان كلية، ولم يعد هناك سوى العلوم الإنسانية. غابت التربية تماما، ولم يعد هناك سوى علوم التربية (Hameline, 1986).

من البين بجلاء أن الاستنتاج واضح: أصبحت البيداغوجية تخصصا تحت التأثير. هذا يعني أنها لا تستطيع المطالبة إلا بوضعية أقل درجة ولا يمكنها، أيضا، ادعاء قدرتها على تنمية مجموعة من المعارف والممارسات التي تشكل خصوصية فكرية حقيقية. أما علوم التربية فهي تتماشى مع منطق علم التربية الذي تتبعنا ظهوره التدريجي على مر القرون. مشروع علم التربية هذا قد اندثر تحت ضغط تأثيرات عدة. فقد تطلب النموذج المعتمِد على التجربة الإلغاء الكليَ للاعتقاد واستبدالَ العلم المجزأ إلى ما لا نهاية له من الوقائع التربوية، بعلمٍ بيداغوجي موحد في مجموعات فكرية (التي تجسدها الفلسفة شئنا أم لم نشأ). سيتم تفويض الممارسة والممارسين من حيث أنهما قادران على فتح طريق العلم؛ وستغادر النظرية البيداغوجية مجالات الممارسة التربوية. ستُبعد الجوانب المعيارية للبيداغوجية خارج العلم؛ وسيفقد نظام الأهداف مصداقيته؛ سيتم إدماج فلسفة التربية ضمن علوم التربية، كقوة تاريخية يراد منها أن تشكل تكملة لنهج علمي لم تكن هذه العلوم تطمح له. وسيسير تجزئ العلوم الإنسانية جنبا إلى جنب مع رغبة كل علم منها بإدخال التربية في حقله الخاص. أما البيداغوجية، باعتبارها التخصص الضروري لتمييز ما يُقال عمّا يُفعل في مجال التربية، فستختفي فاسحة المجال أمام نموذج استنتاجي يدعي اختزال الفعل في القول، والمهارة في المعرفة العلمية. سيكون من واجب الصرامة العلمية أن تؤدي من الناحية الإبيستيمولوجية إلى صرامة المعرفة العملية و، من ثمة، صرامة الفعل بشكل مباشر. على الفعل أن يصبح أكيدا، مؤكدا ومليئا بالثقة، ذلك لأن العلم هو صاحب السيادة على الأرض (انظر ما كتبه جان شاتو).

لقد أخذ هذا الانتقال من البيداغوجية إلى علوم التربية، بالفعل، وقتا. قبل أن تستقر المفردات على حالها أخذت مسارات متعرجة، حيث تم استعمال، على التوالي، التعبيرات التالية ما بين 1809 و1970 (دون الحديث عن مستحدثات البيداغوجية):

-بيداغوجية علمية (بينيه، بوشيه، بوفيه، كلاباريد، فابريه)،

-بيداغوجية تجريبية (بينيه، كلاباريد، دوترينس، سيمون)،

-العلم البيداغوجي (كلاباريد)،

-علم التربية (باين Bain، بويس، كومبايريه، ماريون، لابييه، دولافيسيير)،

-علوم التربية (دوبيس، مالشيه، ميالاريه... وكل الآخرين).

الحق أن الحركة في شكلها العام كانت توافقية للغاية: يتعلق الأمر بتخطي ال«بيداغوجية القديمة» ليتم ضمان ال«بيداغوجية الحقة» بواسطة العلم. عادة ما يتم، في هذا الموضوع، الرجوع إلى باينْ الذي نشر سنة 1894 مؤلفه علم التربية. فما الذي يقترحه باين؟ النظر إلى «فن التدريس من وجهة نظر علمية» (p. VII)، أو استنتاج مناهج تدريس كل مادة، من ناحية بحسب مستوى سيكولوجي مبني من خلال دراسة دقيقة لملكات الذكاء، ومن ناحية أخرى بحسب نظام منطقِ المضامين المعرفية نفسها. وبهذا فإن البيداغوجية، بعد أن تحررت من التعاريف الفلسفية الغامضة والجد فضفاضة، تتحول إلى العلم التربوي إن استندت إلى علم السيكولوجية. وبالتالي فالممارسة البيداغوجية، مادامت هناك بالفعل ممارسة، تجد شرط وجودها وحقيقتها خارجها. هكذا ستتطور البيداغوجية: ذك بالتحاقها بخط العلم إن لم نقل العلوم؛ وستأتي المعرفة من جهات أخرى: «طريقة العمل» لن تجد حقيقتها وصرامتها في الفعل، وإنما في معاريف خارجية ستدّعي، كلها، أنها علمية. وبعد الفلاسفة (بل بداخلهم إن تذكَّرنا ميلاد علم النفس مثلا)، حاول العلماء (ونجحوا) في رفض كل خصوصية بيداغوجية، من خلال الدفع بافتراض علمي.

ستتجدد هذه الحركة الثلاثية المتمثلة في التضييق والافتراض والهيمنة dilution-assomption-domination البيداغوجية والتي طبعت نشأة علوم التربية ابتداء من سنة 1990 من خلال بزوغ علوم الديداكتيك. وعلى كل ، فالديداكتيك لها الحق في أن تنأى بنفسها عن البيداغوجية، على الأقل لأن هذه الأخيرة كانت دائما بمثابة الرادع عندما يتعلق الأمر ب«ممارسة العلم»: عند بزوغ العلم التربوي سنة 1880، وعند تأسيس العلوم التربوية سنة 1960، وعند طفرة الديداكتيكا سنة 1990.

لكن، وفي نفس الوقت، ظل مصطلح البيداغوجية صامدا ولم يختف أبدا. من الناحية التاريخية، بطبيعة الحال، ظل سائدا لإشارته إلى كل ما يتعلق بالتربية. وتاريخيا أيضا لأن الجلي فيما حدث، وكما لاحظنا، هو الرغبة في إضفاء الطابع العلمي على البيداغوجية، حتى لو كان ذلك يعني استبداله كعلم. سبق لكومينيوس، سنة 1649 في كتابه الديداكتيكا الكبرى، أن حاول تأسيس البيداغوجية كعلم مستقل (يقول «تعني كلمة ديداكتيك: فن التدريس»). والديداكتيكا في كل هذا؟ إنها هنا، منذ البدء، تستعير اسم «البيداغوجية الخاصة» (للرياضيات، للغة...). ثم مادام علينا مطالبة علوم التربية بتحمل مسؤولية تاريخها... ففي الجانب البيداغوجي، علينا مطالبة العلوم الديداكتيكية بتحمل مسؤولية تاريخها... البيداغوجي. هذا حتى وإن سمح لهذه العلوم بمحاكمة بعض البيداغوجيين كفرينيه (1927)، الذي لم يجد أمامه شيئا أفضل من أن يلقي اسم النزعة الديداكتيكية didactisme على كل ممارسة بيداغوجية سيئة، أو ككوسينيه (1945) الذي اعتبر التدريس الإلقائي بالديداكتيكي!

الملاحظ أنه، خلال ثمانينات القرن العشرين، وفي صلب علوم التربية، بدت علوم الديداكتيكا ك«تخصصات جديدة» (De Corte, 1979). لم يعد أحد يتحدث عن البيداغوجية. لكن كيف يمكن البرهنة على أن هناك تجديد حقيقي؟ يكون ذلك عن طريق عملية مزدوجة. الأولى، أن يتم تحديد ميدان معين، ورفض ما هو ليس من البيداغوجية. نرفض بالنسبة للديداكتيكا المضامين، وبالنسبة للبيداغوجية العلاقات. بتعبير آخر: بالنسبة للديداكتيكا التفكير، وبالنسبة للبيداغوجية الفعل. ليس من الضروري إضافة أن هذه الفروق لا معنى لها في منظور تاريخ البيداغوجية. في الخطوة الثانية، يتم «بشكل طبيعي» تعويض مصطلحات البيداغوجية المعتادة بمصطلحات الديداكتيكا. عندها يتم الحديث عن العلاقة الديداكتيكية، والتواصل الديداكتيكي، والطرق الديداكتيكية، والوسائل الديداكتيكية، والأدوات الديداكتيكية، وغيرها.

وباختصار فإن النقاش، أو بالأحرى النزاع، بين البيداغوجية و الديداكتيكا يكشف عن لعبة الخيوط المتشابكة. لعبة ليست بريئة، لكونها جزء من رهان مؤسساتي كبير: من هو أقدر على تكوين مهنيي المستقبل، المدرسين منهم على الخصوص؟ قد نذهب إلى اعتبار أن الديداكتيكيين فرضوا أنفسهم في هذا المجال (لم نعد نتحدث عن بيداغوجيين في التاريخ والجغرافية مثلا)؛ بل تمكنوا في حالات كثيرة أن يحلوا محل علماء النفس البيداغوجيين المتخصصين فيما كان يسمى بالبيداغوجية العامة. لا يمكننا بطبيعة الحال، إنكار ما أنتجه وينتجه علماء الديداكتيك من معارف قيمة وجديدة في مجال التربية. تماما كما هو الحال بالنسبة لعلوم التربية. لكن ليس هذا بيت القصيد. ما يجب الوقوف عنده هو الغموض الذي يعم العلاقة الكائنة بين البيداغوجية وعلم الديداكتيك على المستوى المفاهيمي والتاريخي. ومهما يكن من أمر، فما يمكننا ملاحظته كذلك من خلال النقاشات الحالية، هو سعي المعارضين للتوجه البيداغوجي إلى الدفع بالبيداغوجيين، وعلماء الديداكتيك والمتخصصين في علوم التربية إلى حالة من الاستياء العامة، بحيث يتم التعامل معهم جميعا كبيداغوجيين.

بحكم الواقع، الديداكتيكا تحمل بطريقة جديدة مشعل الثورة العلمية (معتبرة نفسها استمرارا للبيداغوجية التجريبية)، مدَّعية قدرتها على الربط بين المعرفة التخصصية والمعرفة المهارتية. نجد هنا المنطق العلمي الذي أشرف على ميلاد العلوم التربية والاعتراف بها. يحدث هذا كما لو أن المعارف «الخاصة» بالممارسة تريد أن تكون ترجمة لمعارف «عن» الممارسة، مع استبعادها للمعارف «عن» الممارسة. ونشهد بذلك استبدال البيداغوجية بالديداكتيكا، باسم مقاربةٍ تكون أكثر علمية. مقاربةٌ يبررها استعمال «مفاهيم جديدة». إلا أنه، وبغض النظر عن كون الديداكتيكا تطمح إلى حجب المفاهيم المستعملة عادة من طرف البيداغوجية، فهي تُظهر بشكل مستمر مفاهيم جديدة تنتمي إلى مجال من المجالات، وذلك دون أن يتم الحديث عن ظهور علم جديد. فقد غزت مؤخرا مصطلحات المشروع، والعقد، والصراع الاجتماعي والمعرفي، والفارقية، والأهداف الحقل البيداغوجي، ولم يتم الحديث عن علم جديد بشأنها. نفس الأمر نجده بالنسبة للديالكتيك، للنقل، للتمثل، وللهدف-المشكلة مثلا. نشير أيضا إلى أن المفاهيم المفضلة من طرف الديداكتيكا قد استُعيرت من حقول أخرى. فالنقل الديداكتيكي أُخذ من علم الاجتماع؛ العقد والوساطة أتت من الفلسفة وعلم النفس؛ الوضعية-المشكلة من علم النفس المعرفي؛ التمثل من علم النفس الاجتماعي؛ نقل السلطة من القانون، الخ. ليست المفاهيم الديداكتيكية بذلك نوعيةً بأي حال من الأحوال. واحتمالية «تفوق[ها] العلمي» أمر مشكوكٌ فيه. المسألة ليست محددة في هذا: إنها على أية حال تخص العملية المعتادة للتضييق والافتراض والهيمنة على البيداغوجية.

أكثر من ذلك، ستعرف هذه العملية مؤخرا انحرافا شديدا خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ومتمثلا في «ثورة» علم الأعصاب. فعلى أعقاب علم النفس البيداغوجي المنحل، أعلن علم الأعصاب البيداغوجي التحكم في تنظيم البيداغوجية بطريقة علمية(Dehaene, 2018). المعرفة الدقيقة والموضوعية من قبل علوم الأعصاب لآليات اشتغال دماغنا ستمكننا، أخيرا، من تحديد الأدوات المناسبة جدا للتدريس والتعليم. وسيتم بذلك ضمان الفعالية. صحيح أن العديد من علماء علم الأعصاب لايزالون حذرين في هذا المجال ولا يدّعون تأسيس علم الأعصاب البيداغوجي. غير أن البعض، ومنهم مسؤولون سياسيون في التربية (إن لم يكن منهم بعض المكونين)، يتقدمون في هذا الإطار بخطى حثيثة. إنهم لم يترددوا في استخلاص معلومات عن وصفات بيداغوجية محددة توفرها الصور الدماغية (يبدو أنها تجعل نشاطنا العقلي في متناول اليد). هذا يعني أن الجمع بين الاكتشافات العلمية الحديثة والعودة «إلى الأساليب القديمة الناجعة» أمر مطلوب. ومن الأمثلة على ذلك ما دار من نقاش حول إدانة الطريقة الشاملة في القراءة. من البديهي أن البيداغوجية ملزمة بالأخذ بعين الاعتبار «اكتشافات» العلوم النورولوجية، دون أن تغفل في نفس الوقت بعض العناصر من تاريخ البيداغوجية. لكن إن كانت مجموع المعاريف الخاصة بنمو الطفل، أكان مصدرها العلوم النورولوجية أم مقاربات علمية أخرى، تسمح بفهم شروط التعلم بشكل جيد، فإنها لا تخبرنا، مثلا، عن أسباب التعلم، أو السبب الذي يجعل متعلما ما أكثر أو أقل رغبة في التعلم. ثم إن ادعاء الوصول إلى «علمٍ للتدريس» يعني الوقوع، مرة أخرى، في براثن «علم النفس الكافي» الذي أجلّه جون شاتو سنة 1967 لسد فراغ عدم كفاية البيداغوجية.

 

ما السبب في عدم اختفاء البيداغوجية؟

لأن هناك بالفعل معارف بيداغوجية ولأن وضعيتها الابيستسمولوجية هي بالتحديد نوعية. تنشأ المعرفة البيداغوجية من خلال الربط المفصلي بين النظرية والتطبيق التربويين الذي يقوم به الفاعل نفسه إبان الممارسة التربوية. على هذا النحو نشأ التراث البيداغوجي على مر القرون، بجانب وفي ارتباط بالمعارف التربوية الفلسفية، والدينية ثم العلمية. البيداغوجية ليست عمياء، لكنها تصوغ في نفس الحركةِ الأفعالَ، والمفاهيمَ العلمية ذات المرجعية والقناعات. ليست طريقة سقراط التوليدية من نفس مرتبة الكتاب السابع من الجمهورية لأفلاطون. ورسائل ستانز لباستالوتزي (1799) ليس من نفس مرتبة إيميل، أو في التربية لروسو (1762). والمطبعة بالمدرسة لفريني (1927) ليس من نفس مرتبة اللغة والفكر عند الطفل لبياجيه (1923). ما هو المجلس؟ لأُوري (1979) ليس من مرتبة إعادة الإنتاج: عناصر لنظرية في النظام التعليمي لبورديوه وباسرون (1970). كلا النوعين من المعرفة محترمان، لكنهما غير متماثلين وليس لهما نفس الأصل ولا نفس الوظيفة. لهذا كان اختزال بعضها في بعض مستحيلا من الناحية الابيستسمولوجية، سواء بهذه الطريقة أو تلك.

إذا كانت البيداغوجية تمثل الترابط المتبادل والجدلي بين لنظرية والممارسة التربويين من طرف نفس الشخص، حول نفس الشخص، فالبيداغوجي هو أولا وقبل كل شيء ممارس ومنظر للفعل التربوي. البيداغوجي هو ذاك الذي يسعى إلى الجمع بين النظرية والتطبيق انطلاقا من فعله ذاته. من هذا الإنتاج النوعي للعلاقة بين النظرية والتطبيق في التربية تتأصّل، وتنشأ، وتبتكر وتتجدد البيداغوجية. فالبيداغوجي، بالتعريف، لا يمكنه أن يكون ممارس فقط ولا منظر فقط. هو بينهما، ذاك البين-اثنين. يجب على العلاقة أن تظل قائمة وغير قابلة للاختزال. ذلك أن الفجوة بين النظرية والتطبيق لا يمكن إلا أن تستمر. هذه الفجوة هي التي تمكِّن من الإنتاج البيداغوجي. وبالتالي فإن الممارس في حد ذاته ليس ببيداغوجي، إنه في غالب الأحيان مستخدمٌ أكثر أو أقل وعيا لعناصر واتساقات ونُظم بيداغوجية. والمنظر في التربية من حيث هو كذلك ليس بيداغوجيا، إذ أن التفكير في الفعل البيداغوجي أمر غير كاف. فالبيداغوجي الحق هو من يبرز «إضافة» خلال وبواسطة تفاعل النظرية والتطبيق التربويين. هذا مِرجل التصنيع البيداغوجي (Houssaye, 1996).

لنأخذ بعض الأمثلة من بين المؤلفين المشهورين. سيكون روسو أولهم. فعلى عكس ما يتم التأكيد عليه هنا وهناك، ليس روسو بالبيداغوجي: لم يكن أبدا ممارسا بشكل فعلي؛ ومن ثم لم تكن ممارسته سبب إنتاجه لنظريته. روسو منظر-فيلسوف في التربية. وهذا لا ينقِص، بأي شكل من الأشكال، من قيمة وجهة نظره، بل يحدد فقط نوعيتها. على العكس من ذلك يمكن اعتبار كل من بيستالوتزي (1799)، وفريني (1927)، وكوردزاك (1920)، فريري (1967)، أُوري (1979) وآخرين رجال بيداغوجيا. وهكذا يتم تأكيد المسار النوعي والتاريخي للبيداغوجية. لنكن واضحين: ما يجب أن يظل منتميا للبيداغوجية هو، بكل تأكيد، افتراض عملي، لكنه، في نفس الوقت، نظريةٌ عن الوضعية التربوية التي تحيل على هذه الممارسة، أي نظريةٌ عن الوضعية البيداغوجية.

لابد إذن من التأكيد على خصوصية المعرفة البيداغوجية. هناك بالفعل موقف فكري محدد في البيداغوجية (Meirieu, 1995). تجمع هذه بين التأمل الفلسفي (القناعات) والمعرفة الوضعية (المفاهيم) والمعرفة التجريبية (الأفعال). لكن البيداغوجية لا تختزل في هذه المعارف مجتمعة. إنها تمزج بينهم وفق اجرائها الخاص الذي سيتم اعتباره كطريقة في البحث. وعلوم التربية «مفيدة» و«ضرورية» في النهج البيداغوجي: إذ على هذا الأخير أن يأخذ بعين الاعتبار مقاربات فلسفة التربية (القناعات)، وكذلك المعارف العلمية الخاصة بالتربية (المفاهيم). ومع ذلك لا يمكن لا للأولى ولا للثانية أن تدعي قدرتها على تحديد الأنشطة البيداغوجية ولا تنظيمها. وعلى العكس، يمكن للبيداغوجية أن تصير «شيئا» قابلا للملاحظة وللبحث سواء للفلسفة ولعلوم التربية، لكن هذا الموضوع لا يمكن ينحلَّ في مقارباتهما. ما السبب في ذلك؟ لأن البيداغوجية ليست من منزلة العقل الخالص، بل إنها، وبكل بساطة، تدخل في مرتبة العقل العملي. السؤال حول البيداغوجية، يعني بحق طرحه على العقل العملي، عن بنيته، عن معناه وعن علاقاته بالعقل الخالص (وبالتالي بعلوم التربية). وبصفة عامة يرتبط العقل العملي بالفعل المقبول عقليا. لكن هل يمكن للفعل المعقول الإفلات من اللامعقولية دون أن يُختزل إلى ما هو تقني وعلمي؟ هل يمكن أن نجد، بين العقلاني واللاعقلاني، مجالا معقولا؟

بناء العقل العملي على نموذج العقل الخالص هو بمثابة افتراضٍ بإمكانية إنشاء علم خاص بال«ممارسة» (الممارسة باعتبارها فعلا يهدف إلى تغيير العالم) (Ricoeur, 1986). لا تقبل الممارسة الاختزال إلى «بُوِيسيس poiesis» (الإنتاج، التصنيع) شفاف وعلمي مؤسس، إنها تتعلق باستحالة التنبؤ والتعتيم. والبيداغوجية باعتبارها ممارسة تتطلب قدرا كبيرا من الوضوح والتفكير، ولا يمكن أن تدرك على أنها تطبيقا لمعرفة تم تكوينها سابقا وبشكل كامل (أو حتى معرفة كوِّنت بشكل كاف، كالديداكتيكا مثلا، والتي يكفي تكييفها مع ظروف الفعل). في التطبيق العملي، لا تكون النظرية شرطا مسبقا، بل تنبثق عن النشاط نفسه في جدلية تربط بين توضيح وتغيير الواقع.

هذا يعني أن التطبيق العملي يفلت كليا من كل معرفة من النوع العلمي. ذلك لأن التطبيق العملي يخلق الجديد، بينما العلم يهتم بما هو موجود مسبقا. ثم لأن، في الممارسة العملية، تتحقق الذات خلال الفعل، مما يعني تغير مستمر يلحق الذات والموضوع، في الوقت الذي يسعى فيه العلم، على العكس من ذلك، الحفاظ على مسافة بين الذات والموضوع. ولأن الممارسة التطبيقية، في الأخير، هي مسألة معنى، في حين أن العلم لا يهمه المعنى، إذهو يقوم بصياغته دون أن يعمل على تدقيقه. تحيل البيداغوجية أكثر على الخير Bien، أما علوم التربية فتحيل بالأساس على الحق  Vrai. وبالتالي، إن كان هناك عقل عملي يولّد النظريات، فمن الناحية الايبستيمولوجية لا وجود لعلم يخص العقل العملي (Castoriadis, 1975). من الناحية الأنطولوجية تدخل البيداغوجية ضمن الأمور الحادثة وتدخل من الناحية المعرفية فيما هو محتمل. وهي تشكل من حيث مبدأ الفعل المعقول الحصافة (cf. Aristote) وليس العلم. ويحقق الفعل المعقول تركيبة تجمع لحظات أربع: اللحظة النفسية للتفضيل المنطقي؛ اللحظة الجدلية للحجة ضد التجاوزات المتصارعة، التي تؤدي إلى اختيار الوسَطية الذهبية؛ اللحظة الأكسيولوجية للحكم الأخلاقي؛ اللحظة الجمالية للذوق الشخصي.

من الضروري تمييز البيداغوجية، في جانبيها التطبيقي والنظري، سواء عن علم التربية أو عن علوم التربية، وهما المجالين اللذين يصفان تاريخ، أو بنية أو عمل الوقائع التربوية. كما يجب تمييزها عن البراعة الفنية والتجربة العملية للمربي. البيداغوجية هي نظرية لا تهدف إلى وصف الواقع كما هو بقدر ما تهدف إلى توضيحِ الفعل وبناءِ برامج العمل التي تشكل في نفس الوقت نظريات تخص الإنسان والمجتمع. إنها نظريةٌ وتطبيقٌ وظيفتها توجيه وتنظيم الممارسة. تشيّد البيداغوجية، باعتبارها فنا وعلما، ميدانا بينيا له وضعية خاصة، خاصا وأصيلا بالتأمل في التربية (Houssaye, Fabre, Soëtard, Hameline, 2002).

هذا ما يبرر وضعية التفكير النوعي للبيداغوجيين. أولئك لا يخطؤون في هذا الأمر: ما يقدمونه لنا هي بالفعل نظرية في التربية تم تصميمها كبلورة لممارستهم الخاصة. الحالة جد واضحة عند فرينيه، الذي لا يمكننا الفصل عنده بين التقنيات وفلسفة الإنسان العامة في العالم. هذا الأمر أثبته ديوي (2004)، الذي لم يوص بأي وصفة بيداغوجية، لكن تستند البيداغوجية عنده على فلسفة تجريبية تقوم على مبدأ الاستمرارية و منهجها ناتج عن مبدأ التجريب هذا. أما الحالة عند فرينيه (1967) فملهمة حقا، ذلك أنه هو الذي سعى إلى تعميق شروط إنشاء وحدةٍ جدلية  بين الفعل والفكر، النظرية والتطبيق، لدرجة أنه بالنسبة إليه لا يمكن أن تكون هناك ممارسة تطبيقية أصيلة خارج هذه الوحدة الديالكتيكية بين النظرية والتطبيق، كما لا يمكن أن يكون هناك سياق نظري حقيقي إلا في إطار وحدة جدلية مع السياق الواقعي.

*****

  لنؤكد من جديد: إن البيداغوجية وعلوم التربية وفلسفة التربية والديداكتيكا تنتج بالفعل معرفة «حقة»، ومرتبطة بالتربية. المشكل لا يكمن في هذا. المشكل يبدأ حين تريد هذه العلوم، في نفس الحركة، قول الحقيقة بشأن الفعل التربوي، أي تحويل الحقيقة عن الفعل إلى حقيقة الفعل. ويتضح المشكل أكثر حين تريد هذه التخصصات مجتمعة، عند القيام بذلك، إنكار خصوصية المعرفة البيداغوجية. إني متأسف السيد جون شاتو، لكن، وحتى نسد ثغرات «غير كفاية البيداغوجية»، لا يكمن الحل بالتأكيد في العودة إلى «علم نفسٍ كافِ» (كرمز لعلوم التربية). لننتبه جيدا: ليست المسألة فقط مسألة تاريخية أو ابيستيمولوجية، هي أيضا مسألة مؤسستية.

قد تكون المسألة المركزية تتمحور في التالي: تكوين المهنيين التربويين عموما والمدرسين خصوصا لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة البيداغوجية. يتميز الطابع الأولي للتكوين البيداغوجي بسمة أساسية: لا يمكن للمتعلمين المهنيين الثقة فيما نقول لهم  و الاستفادة مما نعرضه عليهم إلا إذا ما ارتبط مباشرة بما يفعلونه وكان جزءا منهم. وحده ما يقومون به من فعل هو الذي يمكن أن يزرع الثقة فيهم ويعطي لهم معنى. أليسوا هنا ليُطلب منهم القيام بالفعل وبالتالي ليكتسبوا هذه المعرفة المهاراتية المتأشكلة، لبلورة معرفتهم انطلاقا من معرفتهم المهاراتية. التكوين البيداغوجي الأساسي لا يمكنه بذلك أن يخالف طبيعة البيداغوجية، إن أردنا أن نعتبر أن هذه، على سبيل التذكير، هي الحضن المزدوج  للنظرية والتطبيق الذي يقوم به نفس الشخص، على نفس الشخص.

لا يمكن لمهني المستقبل أن ينشؤا مهارتهم إلا اعتمادا على فعلهم الخالص؛ على هذا الأساس فقط يمكن للمعرفة، باعتبارها هذه المرة بلورةً نظرية، أن تُبنى. ولا يمكن تجاوز هذه القاعدة، إلا إذا تبين أن التكوين لا يحقق النتائج المرجوة. يبحث مدرسو المستقبل عن «وصفات»، «إجراءات روتينية»، ووسائل بيداغوجية تمكنهم من التعرف على المهارات الأولية، على بعضٍ من المهارات الأولية. فالمُكوَّنون الشباب هم، كي يصبحوا حرفيين،  في حاجة إلى اكتساب ما يفتقدونه، أقصد «الخبرة»، باعتبارها المعرفة المكتسبة بالتجربة الشخصية التي يتم القيام بها تجاه المواضيع التربوية. خاصية التكوين البيداغوجي، أكان أساسيا أم مستمرا، أنه لا يكمن في التفكير فيما سيتم القيام به ولا فيما يجب علينا القيام به، وإنما بالأحرى التفكير فيما تم القيام به. على هذا الأساس قامت الحركات التربوية، تلك ذات العلاقة بجون بابتيست دو لاسال (1720) أو أوبرلان  (Chalmel, 1999) في السابق، أو بفرينيه (1927)، وأوري (1979) وآخرين اليوم. في البيداغوجية تكون للتجربة أوليةً بالنسبة للمبتدئ، بل خاصة بالنسبة للمبتدئ. كل ما يثير تجربةً لدى المتدرب المحترف سيكون قوة دافعة وأداة مفيدة، ونقصد من ذلك المهارة التي تشمل على الأقل ثلاثة عناصر يمكن اعتبارها عملية لتحقيق الاحترافية: أولا معرفة بالمهارة (في وضعية معينة، لتصور معين، التفكير بطريقة معينة يعطي النتيجة كذا)؛ ثانيا المعرفة حول المهارة: (قد تحدث التجربة في ظروف محددة وتتكرر في مناسبات أخرى)؛ ثالثا معرفة منبثقة من المهارة، معرفة قد تؤدي إلى نوع من التفكير وإلى تنظير يعمل على توضيح العلاقة بين النظرية والتطبيق في مجال البيداغوجية.

وهكذا يشكل التكوين البيداغوجي نموذجا تجريبيا للتكوين. لا يعطي هذا الأخير الأسبقية (بمعنى اللحظة الأولى للإجراء) للمعرفة على الواقع الواجب التعامل معه، وإنما إلى المواجهة مع هذا الواقع نفسه (Fabre, 1994). وعوض أن يتم إبعاد المكوِّن، سيكون عليه تحمل وظيفة مزدوجة: الحيلولة دون نسيان الواقع، إخفاؤه بما هو زائف (حتى العالِم منه)؛ جعل المكوَّن في اتصال مع الواقع، عوض أن يكون على اتصال بعالم التوقعات، أو التنبؤ أو الإسقاط. هذا يعني أننا، ونحن إزاء فعل التكوين نفسه، نكون أمام ثالوث حاضر بشكل مباشر: المكوِّن/المكوَّن/الواقع. هذا الأخير هو الذي يحدد حدود المشكلة، وليس المكوِّن. وبهذا يفترض التكوين البيداغوجي أن نبقى على مستوى العقل العملي. يعني هذا الإمساك بالحدين، الفكر والممارسة، لا اختزال أحدهما في الآخر. وعلى العكس من ذلك يعني هذا أن التكوين ليس في المقام الأول من مستوى العقل النظري، أي أنه لا يساند في المقام الأول المعارف التي بلورتها مختلف العلوم (بما فيها علوم التربية). فالعقل العملي يخص الفعل المعقول بشكل عام والتكوين بشكل خاص.

ويَظل السؤال الهائل قائما: هل من الممكن نقل المعرفة التجريبية، وهل بإمكانها أن تكون متبادلة؟ للتجربة، البيداغوجية وغيرها، وضعية غريبة: إنها في نفس الوقت أولية، ووسيلة وهدف التكوين. هذا ما يجعل التكوين البيداغوجي، أولا وقبل كل شيء، فعلاممارسا لا خطابا. التجربة هي، في نفس الوقت، تصادم على الدوام، وإلا فإنها ستعمل بطريقة مستقلة، غير ذات مرجعية. من هنا يأتي السؤال المركزي في التكوين: مع من يكون الحوار، مع من نبني؟ المكوَّن في البيداغوجية يحتاج لآخر له «مصداقية»، آخر يتيح له، في نفس الوقت، إمكانية الربط والفصل بين النظرية والتطبيق. الفرق، بالنسبة لهذه النقطة، جد دقيق بين التكوين الأولي والتكوين المستمر. أما بالنسبة للثانية، فالتطبيق موجود بالفعل ويمكن للنظرية كطرف ثالث (المكوِّن، المتخصص) أن تكون في بعض الأحيان مدمجة إن شكلت للمكوَّن مرجعا في خطواته البانية لمعارفه البيداغوجية الخاصة. أما بالنسبة للأولى، هنا أيضا، تكون التجربة في المقام الأول عند بناء كل معرفة بيداغوجية؛ لكن هذه المرة لا تكون حاضرة بشكل مسبق، حتى لو لم يكن هناك أمر يعمل بدونها. مما يدل أنه، في كل حالة، وعلى الخصوص عند التكوين الأولي، تكون التجربة هي الأولى.

بالطبع، إن التكوين هو مسألة مرتبطة بالمكوَّن، لكنها مرتبطة أيضا بالمكوِّن (Altet, 1994). باسم من نريد أن نكوِّن؟ باسم من يمكننا أن نكوِّن؟ ما الذي يجعل من المكوِّن مكوِّنا مؤهلا أو مستبعدا؟ بالنسبة للتكوين الأساسي الذي يجعل من المكوِّن مؤهلا هي تجربته، التي تحظى بال«مصداقية» من قبل المكوَّن، وقدرته على ال«مصاحبة الداعمة» (أي ما يفعله ولماذا يفعله). بالنسبة للتكوين المستمر، ما يجعل المكوِّن مؤهلا هي قدرته على المزج بين ما يقوله وبين تجربة المكوَّن. لذا فالمسألة لا تتعلق في أن يكون الواحد متخصصا في نظرية البعض (المنظرون) التي توجه نحو ممارسة الآخرين (الممارسين). وبالتالي لا يتعلق الأمر بتعويض علوم التربية بالبيداغوجية (Charlot, 1995). بل الأمر مرتبط بتمييز، واحترام وتدقيق العلاقات والإجراءات الواحدة عن الأخرى. هذا على الأقل حتى يتم تجنب العودة للمبدأ الذي وضعه دولينيي Deligny، البيداغوجي المتطرف، حين كان مسؤولا عن Graine de crapule (1945) والذي مفاده: لا يجب، على الخصوص، أن يُعهد بالتربية للمحترفين المكوَّنين لهذا الغرض!

 

المصدر

Jean Houssaye. Pédagogie et sciences de l’éducation : pas facile ! Les Sciences de l’éducation - Pour l’Ère nouvelle, vol. 52, no 2, 2019, pp. 11-27. ISSN 0755-9593. ISBN 978-2-918337-38-6.

المراجع

Altet M. La formation professionnelle des enseignants. Paris : PUF, 1994.

Bain A. La science de l’éducation. Paris : Alcan, 1894.

Bourdieu P. & passeron J.-C. La reproduction. Eléments d’une théorie du système d’enseignement.   Paris : Éditions de Minuit, 1970.

Castoriadis C. L’institution imaginaire de la société. Paris : Seuil, 1975.

Chalmel L. Le pasteur Oberlin. Paris : PUF, 1999.

Charlot B. Les sciences de l’éducation : un enjeu, un défi. Paris : ESF, 1995.

Château J. Pour une éducation scientifique. Revue française de pédagogie, 1967, n° 1, pp. 9-16.

Comenius. La grande didactique. Pari : Éditions Klincksieck, 1992 (1949).

Cousinet R. Une méthode de travail libre par groupes. Paris : Fabert, 2011 (1945).

De Corte E. et al. Les fondements de l’action didactique. Bruxelles : De Boeck Université, 1979.

Dehaene S. Apprendre ! Les talents du cerveau, le défi des machines. Paris : Odile Jacob, 2018.

Deligny F. Graine de crapule. Paris : Éditions du Scarabée, 1960 (1945).

Dewey J. L’école et l’enfant. Paris : Fabert, 2004 (1970).

Durkheim E. Nature et méthode de la pédagogie. In : Durkheim E. Éducation et sociologie. Paris : PUF, 1985.

Fabre M. Penser la formation. Paris : Fabert, 2018 (1994).

Freinet C. L’imprimerie à l’école. ICEM, 1927.

Freire P. L’éducation : pratique de la liberté. Paris : Éditions du Cerf, 1967.

Gauthier C. & Tardif M. (Dir.). La pédagogie. Théories et pratiques de l’Antiquité à nos jours. Montréal : Gaëtan Morin éditeur, 1996.

Hameline D. Courants et contre-courants dans la pédagogie contemporaine. Sion : ODIS. 1986.

Houssaye J. (Dir.). Quinze pédagogues. Paris : Fabert, 2013 (1996).

Houssaye J. « Révolution, professionnalisation et formation des maîtres ». Education et révolution. Colloque international francophone. Suisse : Yverdon-les-Bains, 2010.

Houssaye J. « Présentation ». Nouveaux pédagogues. Pédagogues de la modernité. Paris : Éditions Fabert, 2007.

Houssaye J. Spécificité et dénégation de la pédagogie. Revue française de pédagogie, 1997, n° 120, pp. 83-97.

Houssaye j., Fabre M., Soetard M. & Hameline D. Manifeste pour les pédagogues. Issy-les-Moulineaux : ESF, 2002.

Huberman M. La recherche sur la formation. Quelques hypothèses provocatrices. Recherche et formation, 1987, n° 1, pp. 11-25.

Korczak J. Comment aimer un enfant. Paris : Robert Laffont, 1978.

La salle J.-B. (de). Conduite des écoles chrétiennes. Cahiers Lasalliens, 1720.

Marrou H.-I. Histoire de l’éducation dans l’Antiquité. Paris : Le Seuil, 1996 (1948).

Meirieu P. La pédagogie entre le dire et le faire. Paris : ESF, 1995.

Oury F. & pochet C. Qui c’est l’Conseil ? Paris : Maspéro, 1979.

Pestalozzi J.-H. Lettre de Stans. Yverdon : Centre Pestalozzi, 1985 (1979).

Piaget J. Le langage et la pensée chez l’enfant. Neuchâtel : Delachaux et Niestlé, 1923.

Riche P. Les écoles et l’enseignement dans l’Occident chrétien. De la fin du ve siècle au milieu du xe siècle. Paris : Aubier Montaigne, 1979.

Ricoeur P. La raison pratique. In : Ricoeur P. Du texte à l’action. Essais d’herméneutique. II. Paris : Seuil, 1986.

Rousseau J.-J. Émile ou De l’Éducation. Paris : Bordas, 1962 (1762).

Texier R. « L’idée de perfectibilité en éducation au xviie siècle ». Éducation et pédagogie au siècle des Lumières. Angers : Presses de l’UCO, 1985.

                 

 

 

 

 


تعليقات