📁 آخر الأخبار

التفلسف بالمدرسة الابتدائية

 



برنار جوليبر

Bernard Jolibert

في نفس الموضوع: ما هو فعل التفلسف؟ 


التفلسف بالمدرسة الابتدائية

 

تضاعفت، منذ سنوات حتى الآن، بمؤسسات الروض والمدارس الابتدائية، العديد من التجارب التعليمية التي تدعي انتسابها للفلسفة. غالبا ما تترك هذه الدراسات تقديرات جذ متفائلة، خصوصا بعد انفصالها عن الممارسة التقليدية للفلسفة في الثانوية أو مع الممارسات الجامعية التقليدية. فالأطفال، حتى قبل أن يصلوا الأقسام النهائية، ومنذ حداثة سنهم –من ثلاث إلى أربع سنوات بالنسبة للأصغر سنا-  يأخذون أماكنهم ضمن ورشات توسم صراحة بالفلسفية حيث يمكنهم مناقشة مسائل توكل تقليديا للأقسام النهائية كمسألة الحب، والحرية، والسلطة، والذكاء، والاختلاف، والاحترام، والعنف، والمسؤولية ومواضيع أخرى التي تعالج عادة في وقت لاحق داخل الإطار المدرسي. من خلال الاستفسار حول هذه المفاهيم، يتعلم الأطفال التفكير، والتعبير عن الرأي، والاستماع إلى بعضهم البعض، وتبادل الرأي، والحوار وأخيرا العيش معاً. فهل يمكن للفلسفة أن تكون بمثابة علاج مبكر لما يسمى الآن «تصاعد الفضاضة» أو «تفكك الروابط الاجتماعية»([1])؟ هل الأطفال فلاسفة بشكل عفوي؟

الفكرة مغرية. وتبدو أكثر إثارة عندما تنتسب إلى خطاب المنهج: «الحس السليم هو أفضل شيء مشترك في العالم». كل واحد سيمتلك بشكل تلقائي عقلا أو ادراكا (نفسه بالنسبة للجميع من حيث مبادئه) مما يجعله قادرا على تنظيم فكره ويستجيب لخياراته الأخلاقية. سيكون كل واحد قادرا بشكل تلقائي على التفكير كفيلسوف، بما في ذلك الأطفال الذين لاتزال عقولهم مع ذلك تتشكل من خلال اللغة. يمكن لأي كان، لنفس السبب، تدريس الفلسفة، دون أن يحصل على تكوين في هذا المجال، ذلك لأن المسائل التي يعالجها الفلاسفة تمس الجميع. لهذا لن يكون الاهتمام مرغوبا فيه فقط بل مؤسس بشكل متين في قلب الفلسفة الكلاسيكية الأصيلة.

هكذا يستقيم بشكل تدريجي ال«الحوار الحجاجي» الذي يسميه البعض ب«الحوار الفلسفي»، أو «مدخل للحوار الفلسفي» أو ب«نقاش بهدف فلسفي». هذه اللحظة الحوارية لحظة مخطط وفقا للبرامج الرسمية لسنة 2002 المخصصة للسلك الثالث، في إطار نصف ساعة أسبوعية. وكما هو الحال بالنسبة لعدد من المستجدات المدرسية، تتميز بداية إضفاء الطابع المؤسسي لها بفرنسا مرجعية تاريخية أمريكية. ففي 1969 قام أستاذ المنطق، ماثيوْ ليبمان Matthew Lipman، من مؤسسة النهوض بالفلسفة من أجل الأطفال Institute for the Advancement of Philosophy for Children، بتحرير سبع قصص فلسفية قصيرة تهدف إلى إثارة النقاش في الأقسام الصغرى. يتعلق المر بتعريف الأطفال بالفكر العقلاني من خلال نصوص مكتوبة ونقاشات، وب«جعل الأطفال يلجون فعل التفلسف»، لا لتحويلهم إلى فلاسفة، ولكن لجهلهم يتشربون منذ حداثة سنهم لعبة ديموقراطية الحوار المنظم وتبادل الرأي. باتباع تعليماته، يجب على هذا النشاط أن يتم على مراحل عدة. ويستدعى الأطفال، بعد اتقانهم القراءة، إلى قراءة مقاطع من إحدى القصص. تم يعبر كل واحد منهم بشأن الوضعيات التي أثارت اهتماماه ويطرح أسئلة. يتبع ذلك نقاش عام حول مواضيع مختارة. وفي الأخير، يتم القيام بإعادة صياغةٍ أكثر دقة للمشكل المطروح وتجرى بحوث يشرف عليها المكونون. يتعلق الأمر، باتباع الخط السياسي لجون ديوي، زيادة على التمكن من الخطابة اللغوية وتقديم الحجج، بتنمية قيم ديموقراطية الاستماع وتبادل الرأي والتسامح لدى الأطفال([2]).

في كندا، اقترحت ماري فرانس دانييل Marie-France Daniel البدء في السنة الرابعة([3]). في فرنسا، تمتد هذه الممارسة حاليا إلى أقسام الروض وأيضا إلى التعليم المتخصص. وهنا يبدو أنه، عوض الانطلاق من الكتب، سيكون من الأجدر بدأ النقاش بسؤال يهم التلاميذ بشكل مباشر. ويقترح أحد المدافعين على هذه المقاربة، ميشيل توزي Michel Tozzi، على المعلمات والمعلمين «مقابلات فلسفية جماعية» مناسبة أكثر للقدرات المدرسية للأطفال ولأذواق أذواقهم. فبتحبيذ التبادل المباشر والمستقل لأفكار التلاميذ، مع توجيهها وصقلها من قبل الراشدين، يتم السعي إلى توليفِ حرية التعبير والتحكم في وضعية التبادل. ويقترح جاك ليفين Jacques Lévine، بمنحى توجيهي أقل، بأن يُترك الأطفال، في الوهلة الأولى، أحرارا في تعليقاتهم، علما أنها توثق بالصوت والصورة. في المرحلة الثانية تشاهد وتستمع المجموعة إلى الحوار الذي سُجل لتوه، ثم يُوجه التلميذ تدريجيا، بمساعدة من الراشد، إلى صياغته بكثير من الدقة([4]). ويفضل آخرون الاعتماد مباشرة على تدخلات الأطفال. أما «الورشات الفلسفية» لآنْ لالان Anne Lalanne فتهدف بشكل صريح إلى «تعليم فعل التفلسف» بحمل الأطفال من الدهشة الأولى إلى إتقان التبادل الحواري: الحوار المتبادل (المساواة في الحق في الكلام، احترام رأي الآخر)، صرامة فكرية (صياغة الإشكالية، صياغة المفاهيم، صياغة الحجج)، التحقق من الخطابات (أصالة مصادر التمثلات، نسبية القيم)([5]).

الأهداف المقدمة لإقامة هذه الورشات التي تستدعي الحوار المبني على حجج متنوعةٌ: الأهداف اللغوية (الطلاقة في التعبير الشفوي، دور المنسقين والمرؤوسين، الصياغة الأكثر دقة للفكر من خلال تدقيق بناء الجمل والمفردات)، أهداف التنشئة الاجتماعية («التحول إلى تلميذ»، «العيش سوية»، تقاسم الآراء، احترام قانون التواصل)، الأهداف الأخلاقية (مراعاة الآخرين، اكتساب قوانين التمدن)، الأهداف النفسية (تنظيم أو إنشاء الفكر، الصبر حين يتكلم الآخرون، الجرأة على الكلام وطرح الأسئلة، صياغة تجارب حياتية في كلمات)، الأهداف الفكرية (تأمل الطفل لتجربته، التأمل الذاتي، التفكر في التمثلات الخاصة)، الأهداف السياسية (التربية على المواطنة، منع العنف، الانفتاح على التعلم المتعدد الثقافات). والمفارقة أن التلاميذ الذين يواجهون صعوبات، بل صعوبات كبيرة أو فشل مدرسي، هم الأكثر تمسكا بهذه الورشات الجديدة([6]). إنهم، من دون شك، يرون في هذه الممارسة وضعية جديدة مباشرة تسمح لهم تجنب عقبات الكتابي.

وبهذا يبدو واضحا أن إدخال الفلسفة في التعليم الابتدائي، بالحضانة والأولي مجتمعين، لن سيكون إلا إيجابيا، على المستوى الفكري، والأخلاقي والاجتماعي.

 

تحاور الفلسفة

السؤال المطروح هنا يمس استعمال الصفة الفلسفية في هذا النقاش المنطقي. هل يعكس واقعا تأمليا ونقديا حقيقيا ذو بعد كوني أم أنه مفهوم الغرض منه فقط تمرير مظهر التأمل وكحقيقة واقعة؟ حينها سيكون وهما بسيطا: فالدرس القديم عن «التمدن»، الذي أصبح مع الإصلاحات «مقدمة للأخلاق»، وبعد ذلك «التربية المدنية»، سيكتسي اليوم برداء الفلسفة كي يزكي ـكثر تنشئة اجتماعية عاجلة للأطفال من خلال المدرسة الابتدائية. هكذا أرفق كريستوف مارسولييه Christophe Marsollier عنوان المؤلف الجماعي، الفلسفة في المدرسة، بعنوان فرعي صريح: لتعلم العيش سوية([7]). في هذا المؤلف هناك حديث كثير عن طرق إنشاء «سلوكات مواطِنة»، لكن دون أن يتم التساؤل بالضبط عما هو المواطن، ولا كيف يكون نموذجا إنسانيا محبذا عن غيره. أكثر من ذلك أنه لم يتم ذكر أي فيلسوف ضمن مراجع المقالات المكونة له وعنوان ورقة مارتين غويجنMartine Guegen، «لتهدئ العلاقات في القسم»، توضح نيتها المفيدة بشكل صريح. النية جديرة بالثناء، وذلك في مواجهة صعوبات التعددية الثقافية والفقدان العامة لما سمى بمرجعية الجمهورية والديموقراطية، ومخاطر الانزلاق قد تبدو قليلة الأهمية بالنسبة للبيداغوجية التي تستهدف التنشئة الاجتماعية للأطفال وتنبيه الذكاء.

      يمكنها، على العكس من ذلك، أن تكون كارثية على الفلسفة نفسها. كلما تتم رؤية الفلسفة حيثما كان تبادل للرأي، تتم المجازفة بعدم وجودها حينها في أي مكان. فبتقديم مجموع ما يتم التفكير فيه، ومناقشته، والحوار في شأنه أو الداعي إلى جدل باعتباره فلسفيا، هناك فرصة قوية للتمرغ في نوع من اللامبالاة العامة، البعيد عن المطلب المبدأ الأولي للصرامة الفلسفية. وعلى عكس ما يدعيه أوسكار برونيفييه Oscar Brenifier، «الفيلسوف الممارس»، والمنظم الدولي للدورات التدريبية، وللندوات، وللأسابيع التكوينية التي تركز على الممارسات الفلسفية و مسؤول أيضا على مجموعة Philoz’enfants الصادرة عن ناتان Nathan، لا يكفي أن يكون هناك رابط بين الأفكار، والتعبيرات النحوية وبناء الجمل المنطقية كي تكون هناك فلسفة([8]). من الممكن رفض عناوين مثل: «ما هي الحرية؟ ماهي الحياة؟ ما هو الخير وما هو الشر؟ من أكون؟» دون اتخاذ أدنى موقف تأملي أو نقدي تجاه السؤال الذي يتم طرحه. هل يتعلق هذا بالفلسفة؟

يذكرنا جورج كانغيليم Georges Canguilhem أنه في الفلسفة:

الاشتغال على مفهوم يعني تنويع امتداده وفهمه، تعميمه بواسطة دمج سمات استثنائية، ونقله خارج منطقته الأصلية، وأخذه كنموذج أو، على العكس من ذلك، البحث له عن نموذج، وإجمالا اعطاؤه وظيفة بشكل تدريجي من خلال تغيرات منظمة([9]).

عمل كهذا يتطلب الوقت، والصبر، والتفكير الشخصي. ربما قد تكون هناك حاجة أكثر إلى تأمل، باعتباره عودة صبورة إلى الذات، عوض نقاشات وحوارات. السفسطائيون الأقل خداعا، وكبار المتلاعبين بالآراء، كانوا ولا يزالون خطباء كبار. قد نكون، على العكس من ذلك، فظّين، غير صبورين، قاسيين في الحديث كما في التصرف، مرتابين من هذا الاستماع الإلزامي إلى الآخر، هذا الاحترام للاختلافات، هذا الاغناء الشخصي من خلال الالتقاء بالثقافات، الدوغمائية الحقيقية في شكل التنشئة الاجتماعية المعاصرة، والتصرف كفيلسوف حقيقي، كما فعل الكلبيون Cyniques، أنتيستنيس، ديوجين، مينيبوس أو هيباركيا([10]) في الأزمنة الغابرة الذين كان سلوكهم غير الاجتماعي أو المعادي تماما للمجتمع قد ظل مشهورا.

لا يكمن التحدي الفلسفي الحق في رؤية التلاميذ يعبِّرون عن مشكلات وجودية بل في جعلهم قادرين على ممارستها بعيدا عن الآراء المبتذلة التي يتم تغذيتهم بها، والمكونة من عفوية زائفة غير مُفكر فيها، وتحويلها إلى استفسارات فلسفية. يصادف هذا التحول عراقيل من الصعب التغلب عليها. يكفي التفكير في الصعوبات المواجهة عند استعمال «الافتراضات اللاواقعية([11])» في الدورة التحضيرية أو اهمال التناقض، مثلا تلك المتعلقة بمفهومي الموت والحياة([12])، لفهم أن مقاربة الطفولة للواقع واللغة لاتزال بعيدة عن التأمل الفلسفي، حتى لو بدأت فب الانصياع لمتطلبات العقل.

 

الفلسفة و«رؤية العالم»

لنبدأ، فيما يتعلق بالمضمون، بالتمييز بين الفلسفة والتصور العام للعالم لأن في التباسهما يكمن الغموض في المقام الأول. إنْ كانت كل فلسفة مبنية هي تمثُّل للعالم (Weltanschauung)، فكل تمثُّل للعالم ليس بفلسفة. فالفنون، والعلوم، والديانات، والعقليات العاطفية، والتقنيات، والثقافات المتنوعة تنشر تصوراتٍ عن العالم التي ليست على أية حال فلسفات و، بكل بساطة، ليست حتى فلسفية([13]). ينطبق الشيء نفسه على ما يسمى ب«الحوارات» التي، بعيدا عن الاتقان للجدل السقراطي، تتحول عمليا إلى مناقشات ملتبسة دون جدية حقيقية. فإن كان التأمل الفلسفي جزءا من الثقافة، فكل ما هو ثقافي ليس بالضرورة فلسفيا. وليس لأن كل كائن بشري يحاول، البارحة كما اليوم، طفلا كما الراشد، أن «يعطي معنى لحياته» فهو منغمس في الفلسفة. فهناك توجهات وجودية جذرية غير فلسفية، وأخريات معادية بجلاء للفلسفة. ومن غير الكافي أن نقارن مفتشية التربية الوطنية، المؤيدة إلى حد ما لهذه الممارسات الجديدة، بالمفتشيةَ العامة للفلسفة، التي تبدي تحفظا، لجعل هذه الأخيرة هي الحصن الأخير للمحافظة على التقاليد النخبوية ومن الأولى حاملة لواء الحداثة الديموقراطية.

النصوص الرسمية واضحة تماما بهذا الصدد: لا يتعلق الأمر ب«التفلسف» مع الأطفال وإنما فتح الطريق أمامهم، من خلال «نقاش مبني على حجج»، بشكل متقن لاكتشاف واستعمال مفاهيم أخلاقية صالحة اجتماعيا لمتطلبات العيش سوية، وسلوكات مقبولة أخلاقيا، ونماذج أيديولوجية مُسهلة للحياة الديموقراطية التي يلاحظ المشرِّع أنها يُساء التعامل معها في هذه الأوقات. الشكل الحجاجي، وحتى الجدالي، لا يسمح بالحكم مسبقا على الوجه الفلسفي للتبادل. لتحقيق هذا الهدف الأخير، يجب على كل واحد توضيح الأسس المنطقية، والنفسية، والاجتماعية، والإيديولوجية لحججه الخاصة. فن الإقناع، والتبرير، وتوليف التوافقات، الصالحة في السياسة كما في الحياة اليومية، أمور لا علاقة لها بمتطلبات التأمل الفلسفي التي، فيما وراء التبادل الحواري، تستهدف إصلاحا أخلاقيا داخليا. إنْ كانت الفلسفة تستطيع اتخاذ شكل تبادل حواري، فهي أيضا، وربما على الخصوص، «تأمل يهدف بشكل وثيق تنمية الذات من خلال البحث عن الحقيقة([14])».

من المؤكد أنه من مرغوب فيه الأخذ بعين الاعتبار القضايا الأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية والوجدانية التي يتطارحها التلاميذ داخل المدرسة و، بذلك، من المشروع تحفيز قدرتهم على التساؤل وفقا لمتطلبات العقلانية، لكن لا يجب أن ننسى أن إثارة انتباه التلاميذ للاستعمال التدريجي للعقل لا يقتصر على لحظة معينة من الأنشطة المدرسية أو على مادة معينة، وإنما من الواجب أن يكون حاضرا في كل مكان، في تعلم اللغة، والرياضيات، كما في إيقاظ الحساسية، ولا يجب الخلط بين النقاش العام الموجه أخلاقيا نحو الاندماج الاجتماعي وبين التأمل الفلسفي الذي يهدف إلى الفهم التأملي للحقيقة.

النقاشات المتعلقة بالآراء التي تتمثل أهدافها البيداغوجية في تبادل الآراء، والتمكن من اللغة، والاحترام المتبادل أو الاهتمام بالمثاقفة لها بذلك نية مختلفة تماما عن الغرض من الحوارات الفلسفية. هذه الأهداف هي في حد ذاتها متعارضة. فالنقاش المدرسي يسعى إلى تحقيق السلم الاجتماعي، أما الحوار الفلسفي فيستهدف الحقيقة، حتى وإن أدت إلى حدوث مأزق، سواء أكان معاديا للمجتمع، لا أخلاقيا، مضادا لما هو مدرسي، فوضويا، بل وحتى مضادا للفلسفة. لم تعد الفلسفة في خدمة البيداغوجية المؤسساتية بقدر ما هي بالضرورة في خدمة مُثل اجتماعي محدد، حتى ولو كان ديموقراطيا. فالهدف الوحيد للحوار الفلسفي هو الحقيقة. لقد أوضح برونو بارثيلمي Bruno Barthelmé بشكل بارع أن اختزال الممارسة الفلسفية المدرسية في تبادل حواري، حتى الذي دار منه بشكل جيد، يعنى استبعاد كل المؤلفين الذين يقترحون طرحا مذهبيا لنظريتهم عن الفلسفة([15]). إنِ اختار أفلاطون الطريقة الحوارية لتقديم المقاربة السقراطية وأنه انتهى في غالب الأحيان إلى منغلقات، فإنه لم ينكر الأمل في إمكانية وجود حقيقة. ليست المعضلة المنطقية aporie نفيا للحقيقة، وإنما هي اعتراف أجوف، بتأكيده الأكثر جذرية، وطرحٍ لمبدأ «تقريب الحقيقة»، كما قام بذلك هيوم، إنه الخروج من الإطار الضيق للنسبية المطلقة والتأكيد على مذهب يفترض ضمنيا الإشارة إلى فكرة الحقيقة.

قائمة الآراء التي نوقشت بشكل أكثر أو أقل وضوحا، بل ورُتبت بشكل عضوي من خلال تدخل المعلم، لا تشكل بالضرورة فكرا فلسفيا. لكي يمكن لنشاط فكري أن يُصنف فلسفيٌّ، سواء في عالم المدرسة أو في أي مكان على أية حال، لابد من توفر عدد من الشروط. التمكن من اللغة الشفهية، والتربية على التمدن والتربية على المواطنة بفعل «حوارٍ منظم» يعني بالتأكيد «أخلاقا تواصلية([16])» لكنها لا تسمح بالضرورة بتعميقها بشكل مدروس. على هذا المستوى، لا نزال أمام الأخلاق الأقل اعتراضا للنقد، لأنها مسألة الغرس المتقن للقيم وللمسلكيات المرغوبة اجتماعيا لا الحكم على ملاءمتها أو قيمتها. نحن لم نصل بعد إلى الأخلاق، باعتبارها أقصى مستويات التفكير الأخلاقي النقدي حيث نتساءل عن كل القيم الأخلاقية، بما فيها تلك التي تتحمل المدرسة مسؤولية نقلها، لمحاولة الكشف عن أسسها وقيمتها القصوى حتى يتم، بطبيعة الحال، اقتراح ال«انقلاب» الذي رغب فيه نيتشه.

إن استطعنا مقارنة المهام العامة، النبيلة والسخية، للمدرسة بالمتطلبات المفترض كونها ضيقة وقابلة للانقسام إلى تخصصات الجامعية، فإن إمكانية قبول الأولى مرتبطة بصلاحية الثانية. ما إن تكن هذه المتطلبات التخصصية غير محتفظ بها ولا محترمة، حتى تصبح المواد نفسها، التي يحب أنصار تدريس الفلسفة بالمدرسة الابتدائية الدفاع عنها، تجازف بأن تذوب في اللغط والتناقض. إن النشاط الفلسفي، باعتباره تأمليا، يفترض تشكُّل معارف يتأسس عليها التفكير والأدوات النحوية والبلاغية التي تسمح بالعودة إلى الذات. إن استثنينا المعرفة السابقة، فإنه لا يتم التفكير في هذه الأسس الشائعة التي تسمح المدرسةُ باكتسابها، والمصنفة بحق بكونها أولية من حيث أنها تقدم للتلاميذ عناصر المعارف النظرية المستقبلية والتفكير النقدي المستقبلي. ويبين ثيودور ليت Theodor Litt أن «التفكير التأملي»، الفلسفي منه بشكل خالص، عليه أن يبدأ بالاعتماد على «فكر موضوعي» أول للعالم([17]). في غياب هذه المقاربة الأولى، قد لا يكون ما نسميه فلسفة سوى لغو محض. كما أن الفكر الفلسفي هو أيضا نشاط نقدي ينطوي على احترام الحد الأدنى من القواعد المنطقية والقدرة على التجريد المعياري. ويريد، في الأخير، أن يكون عقلانيا، أي كونيا في مرماه ويوجهه الاهتمام بالحقيقة وحدها، وليس ببعض المصالح الظرفية، أو بعض الفوائد البيداغوجية، أو الاجتماعية أو السياسية.

وليس الموضوع الذي يُتناول هو ما يشعرنا أننا إزاء الفلسفة بل طريقة معالجته. فالكثير من المتخصصين والذين ليسوا فلاسفة يتحدثون عن الموت والمواطنة، إن تمسكنا بهذيْن المثالين. لكن هناك طريقة فلسفية لمعالجة لهذه المواضيع لا يتناولها بها لا المشرفين على الجنائز ولا معتنقي الديانات ولا المرشحين للانتخابات. الطريقة التي تفلسف بها ميلابرانش Malebranche حول «المسمار الدوار pas de vis»، باعتبارها استعارةٌ ما قبل ديالكتيكية للزهد الروحي بعدما أصبحت شائعة، هي عكس الطريقة التي جعل بها ديكارت من «قطعة الشمع» الأداة النموذجية لنقد الإيمان العفوي في الحقيقة الحسية. التفاهة الواضحة للموضوع المعالَج أو للنموذج المختار لا يشكل بأي حال من الأحوال عائقا أمام لتفكير النقدي. إن الطريقة الجذرية لمساءلة الحقيقة هي التي تصنع الفيلسوف، وإنْ واجه الفلاسفة صعوبة في التفاهم بينهم حول ما يمكن أن تعنيه الفلسفة، فلايزال من الممكن الإمساك ببعض الخطوات الأساسية المشتركة التي تميز السمات المحددة لهذا التخصص. الذين يدعون فعل ذلك عليهم البدء بسؤال أنفسهم عما يمكن أن يشكله فعل التفلسف بالضبط.

 

التأطير

ها نحن نعود إلى السؤال الجوهري المتعلق بالتأطير المدرسي للأنشطة الفلسفية، أي بتكوين المعلمين الذين يدعون التحدث باسم الفلسفة. كل واحد، داخل النظام الفرنسي، يدرِّس وفق القدرات، أو الاختبارات أو المباريات المعترف بها التي تجازي على قدر معارف ومهارات المرشحين في مختلف التخصصات الموكل إليهم تبليغها. يركز التعليم الابتدائي بشكل أساسي على المواد المدرسة: الفرنسية، والرياضيات، والتاريخ والجغرافية، والفيزياء والكيمياء، والفنون التشكيلية، والموسيقى، التربية البدنية والرياضية. لا شيء يشهد على أي كفاءة في الفلسفية. فهل حضور عدد من أساتذة المدارس الجدد، لدروس في الفلسفة لبضع ساعات في السنة النهائية، يوفر لهم إمكانية فهم ما يشكل المقاربة النقدية لمسألة ما؟ ما هي الضمانات التي يكفلها التكوين الفلسفي المقدَّم بالمدارس العليا للتدريس والتعليم ESPE([18]) الجديدة، التي اختفت فيها الفلسفة بشكل عملي؟ لقد أصبح تاريخ الفلسفة غائبا تماما عن البرامج، كما هو الحال بالنسبة للتفكير الفلسفي العام، وعُوض بدراسة، وتوقية في الغالب، للمواد السلوكية (النفسية، علوم الاتصال، الخ.)

مما لا شك فيه أن المعلم لا يهتم، خلال النقاش الدائر بين التلاميذ، بما يشكل القاعدة التاريخية للفلسفة (المذاهب، النظريات وغيرها) وإنما فقط بما يشكل المتطلبات العامة. كيف إذن يتم ادعاء توجيهِ، وتصحيحِ وإدارة حوار فلسفي مع جهل أسس هذه المادة؟ يتطلب تدريس هذه القراءة اللصيقة لبعض الكتّاب المهمين في تاريخ الفلسفة. من الصعوبة بمكان إدارة حوار في هذا الإطار، بحيث أنه، إضافة إلى تاريخ الأفكار، من الواجب أيضا تملك مضامينها، وصيغ تعابيرها، والمصايد المفاهيمية والأساليب الحجاجية. هل يمكن لمن يجهل كل شيء تقريبا عن مادةٍ تاريخُها جزء أساسي منها أن يفتح الطريق المؤدية لها؟ إن الذي يدعي قدرته على تدريس ما يجهله إنما يخدع نفسه، وهذا ليس بالأمر الخطير، لكنه يخطئ أيضا بالنسبة لما يميز الفلسفة بشكل خاص، والتي شهدت مواقف أخرى كثيرة. الأكثر خطورة كونه يخدع الآخرين بشأن المهام الأولية والأساسية للمدرسة الابتدائية: الأطفال الذين يظنون حقا أنهم يتفلسفون، والآباء الذين نرغب في جعلهم يعتقدون أن القدرة النقدية تنمو في شكل من العفوية المبكرة الطبيعية، دون مرجعية أو جهد.

هناك مشكل أشد خطورة ويتعلق بحياد المدرسة. أحيانا يتم دعوة متدخلين من خارج المؤسسة الذين يحضرون لتنشيط «مبادلة الرأي المدعمة بالحجج» هذه. حينها نجازف بالسماح لأشخاص بالدخول إلى حرم المدرسة يأتون، باسم حرية النقد، لتقديم الدعاية الإيديولوجية للتلاميذ. إذ ذاك تتدخل مجموعات ضغطٍ مختلفة (دينية، سياسية، اقتصادية وغيرها) بشكل مباشر، تحت غطاء الحياد المدرسي البيِّن، لتتسلل إلى عقول الأطفال (والمعلمين) والتلاعب بهم بسهولة كبيرة لحصولهم على موافقة رسمية من المؤسسة([19]).

في جميع هذه الحالات، نتصرف وكأننا نعتقد أنه بالإمكان أن نتفلسف دون أدنى اعتبار للذين تفلسفوا من قبل. ننسى أن ثقافة فلسفية متينة لا يمكنها إلا أن تقوم على تاريخ الفكر الفلسفي([20]). كل جديد واعٍ بذاته، كل ابتكار، في البيداغوجيا كما في غيرها، عليه يكون ملما بالمعرفة السابقة حتى يتم الحسم معها، إما القطع مع ما تم تجاوزه أو محاولة الحفاظ على ما يستحق ذلك. بالتالي، لن يكون بإمكاننا تنظيم حوارات فلسفية دون معرفة تاريخ هذه المادة. والوحدات المختارة ل«اكتشاف الكتّاب الفلاسفة» أو «وحدات التكوين المكثفة» التي تقترحها بعض الجامعات لن تكون كافية لإقامة ثقافة فلسفية حقيقية. جوسيلين بيرغوري Jocelyne Beguery، المدافعة الشرسة عن المقاربة الفلسفية المبكرة، ولشعورها بالصعوبة الموجودة، طالبت في مرات عديدة بتكوينٍ متين لأساتذة المدارس المقبلين على التخرج بغية التمكن من «الإمساك بعمق المشكلات المطروحة([21])».

هل يندرج هذا الاهتمام بالمتطلبات الفلسفية تحت عبادة النخبة للشواهد والألقاب، أم بالإرادة في الحفاظ على مناصب أم باهتمام مبالغ فيه لنقاء تخصصي؟ قد يوجد بعض من هذا في بعض أشكال مقاومة هذا التجديد، لكنه لا يضفي الشرعية على مخافة الاستعمال التعسفي لمصطلح الفلسفة. إن الشهادات، والدراسات الطويلة التي تنتهي بالامتحانات، والمباريات العصيبة، وكل الحواجز المؤسسية التي تحول دون التوظيف لا تتوافق مع اهتمام بالتدلل النخبوي أو «التمييزي»: إنها تهدف أولا إلى الاعتراف بالكفاءات المطلوبة للتدريس، مما يسمح بتوفير الانضباط داخل الإطار المؤسساتي للمدرسة، وفقا للتعليمات الرسمية التي تقيم قسم الفلسفة «على التكوين المدرسي السابق [...] الذي تَحشد له العديد من العناصر، خصوصا إتقان التعبير والبناء الحجي، والثقافة الأدبية والفنية، والمعارف العلمية والمعرفة التاريخية» (برنامج الفلسفة لسنة 2002).

ما يثير الانتباه خلال زيارة قسم تُنظم داخله هذه الحوارات الفلسفية، من وجهة نظر فلسفية صارمة يدعمها النشاط، هو تطبيق بيداغوجية عشوائية: كالخلطِ بين الحوار والنقاش دون وجود وحدة حقيقية في المواضيع، وترتيبِ المواقف الفكرية المختلفة دون ربط بينها، والتي غالبا ما لا تتوافق بينها حيث يحل التأكيد النرجسي، والمركزية العرقية والنسبية محل الحجية. إن المعلم الذي لا يتقن المفهوم الذي من المفروض فيه أن يمكّن تلامذته من مقاربته (كالعنف، الموت، الحب، المواطنة، الخير، العنصرية، العلمانية وغيرها) معلمٌ يُبقي الأطفال فقط في الحيرة، عندما لا يقوم بتثبيتها فيهم. أما بالنسبة لدعوة لويس كارول Lewis Carroll للترويج لمقاربة مبكرة صعوبات المنطق التقليدي رفقة الأطفال، فلابد من البدء بالارتقاء إلى ذروة المعارف النظرية لمؤلِّف المنطق دون صعوبة([22]) بغية النجاح في لعبة القوة المتعلقة باقتراح تقديمٍ يكون في نفس الوقت شيق ومناسب.

 

الطفولة

يرى جاك ليفينJacques Lévine  أن الأطفال يُظهرون في سن مبكر قلقًا حقيقيًا تجاه أسرار الحياة. الطفل مؤهل لأن يكون بشكل جنيني «فيلسوفا»، و«أنتروبولوجيا» و«ميتافيزيقيا»([23]). قد يكون، بكل تأكيد، كل هذا ما دام كل شخص له القدرة على التفلسف يوما ما. لكن لا يكفي أن تكون الروح قلقة (أي انسان معفى من هذا؟)، أن تبدو قادرة على فهم حقيقة الموت كلحظة اختفاء لا رجعة فيها، أو على مواجهة أجوبة أيديولوجية متنوعة عن هذه الحادثة كي تتفلسف، فمن الضروري التعبير عن القلق الوجودي بطريقة نقدية. وتؤكد جوسلين بيغيري أن «كل الأطفال فلاسفة، والبعض منهم فقط يبقى كذلك»([24]). هل يجب افتراض أن النمو، أو المدرسة أو تأثير العائلة مسؤولون مجتمعون عن إقصاء البعض منهم من هذه الكفاءة الفلسفية الفطرية والعفوية في آن؟ استعمال اللغة، بالنسبة للمدافعين عن المقاربة الفلسفية المبكرة، كاف للدلالة على ذلك: «ليس هناك شرط ضروري للبدء في التفكير. يمكن للطفل البدء في التفكير حين يشرع في الكلام، مادام الكلامُ يعني بالفعل إعطاء شكل للعالم([25])».

يكفي إذن أن نكون قادرين على التفكير وعلى التعبير بالكلمات عما نتج عنه التفكير كي نقوم بفعل التفلسف. وبالتالي سيمكن البدء بشكل مشروع في وقت أبكر عما يتنبأ به التقليد المدرسي الفرنسي. ألا يسمح لنا بذلك الفلاسفة أنفسهم؟ ألا يقترح لوك دفع الأطفال للتفكير في أقرب وقت ممكن([26]) ولم يذكرنا كانط بأنه لا يجب انتظار نضج الفهم للبدء في تعليم الأمور التي لا يمكن فهمها بالكامل «إلا بواسطة عقل مُمارسٍ ومجربٍ([27])»؟

في هذه الدعوة لنظريتي الفيلسوفين المعروفين خلط بين فعل التفكير، بمعنى الاستفادة مما يُتوصل إليه من الفهم، والقيام بفعل التفلسف بمعنى التشكيك في هذا العقل نفسه، وهو الخلط الذي لم يقع فيه لا لوك ولا كانط. إن كانت ممارسة الفلسفة تعني القدرة على التفكير العقلي، فليس كل تفكير عقلي بطبعه فلسفيا. الرياضي يفكر. بل هو يفكر بشكل جيد جدا، وأحيانا بصرامة أكثر ممن نصبوا أنفسهم كذلك من المفكرين. فهل هو أيضا فيلسوف؟ لا، ليس طالما بقي في خضم حساباته الاستقرائية ومبرهناته الاستنتاجية. إنه لا يصبح فيلسوفا إلا حين يعود ليتأمل اختصاصه، بعبارة أخرى حين يجعل منه موضوع دراسة ويحاول الإمساك وتبرير مناهجه الفكرية الخاصة به. ايبيستيمولوجية أي تخصص كيفما كان هي بالفعل خطوة في الفلسفة([28]). فمن الضروري أولا البدء بالدخول في تخصص معين لتنفيذ وقفة تأملية تخص موضوعه، ومنهاجه وأسسه. ينطبق الأمر نفسه على المؤرخ، والكيميائي، والجغرافي وعالم الرياضيات: إنهم يفكرون، وترى المدرسة أنها، على تخصصاتهم ومناهجهم، تمِّرس تفكير الأطفال منذ الأقسام الصغرى بغية تزويدهم بقواعد متينة تسمح لهم بوضع كفاءاتهم في التفكير موضع تنفيذ بأكثر الطرق صحة وموضوعية. يأتي بعد ذلك التجريد. فالبدء بالمنطق، لاعتباره مادة مجردة وصورية، يعني المخاطرة لا بصناعة مفكرين وإنما «مفكرين منطقيين صغار» كما قال كانط([29]). من الضروري إذن البدء بإتقان اللغة، ثم المرور إلى النحو، باعتباره التأمل الأول في اللغة، حتى نتمكن لاحقا من الضبط المجرد للتفكير المنطقي الذي يهمّ العمليات الصورية للفكر. اكتساب الكفاءة العقلية الوحيدة المحتملة أمر غير كافٍ للمرور إلى الفعل بشكل تلقائي. فامتلاك آلة [موسيقية] أمر غير كاف لمعرفة كيفية استعمالها، ناهيك عن العزف عليها بشكل صحيح.

قد كان لوك، الذي حبّذ تربيةً عقلانيةً مبكرة، يتخوف من «القرود المتعلمة الصغيرة» الذين نكوّنهم في وقت جد مبكر على استخدام تفكيرهم في أمور لا تحصل لهم عنها تجربة إلا من خلال «إشاعات» تروج في بوسطهم الاجتماعي الخاص بهم. وسيتذكر روسو لوكَ حين سيتكلم عن هؤلاء الأطفال الذين تحولوا إلى «أغبياء»، و«متنازعين بينهم»، و«مغرورين» و«متمردين»([30]) بفعل التفكير. هناك مسافة كبيرة بين العاقل والمعقول بمثل ما هو كائن بين التفكير بالمعنى الغامض والتحليل التأملي بطريقة نقدية. في الحالة الأولى، نكتفي بإسقاط صورة الرأي المتداول كمرآة عاكسة؛ في الحالة الثانية نحاول عكس الحجة على ذاتها لإدراك أسسها. بالنسبة لكانط، يتشكل الفهم أولا من خلال التجربة الحدسية ومن اللغة، اللتان تمثلان المنبع الأول للأحكام، وتتشكل المفاهيم لاحقا. أما ديكارت فيفتتح تأملات ميتافيزيقية بالتذكير على أن معارفنا الأولى تتأتى لنا «من الحواس أو من خلال الحواس». فلابد من البدء بارتكاب الخطأ. ثم نمر تدريجيا من المفاهيم «التي يعترف بها العقل» إلى التعرف عن المبادئ التأسيسية لهذا الأخير. وفي نهاية المسار فقط، تصبح عناصر المعرفة «مترابطة بواسطة العلم في كلٍّ منظم بشكل جيد». ويشير كانط في الأخير إلى أن «على التعليم اتباع نفس المسار([31])». فالعقل النقدي الفلسفي لا يثبت إلا بالاستعمال القبلي للعقل الاستقرائي القائم على التجربة الحسية للمتناقضات المُعاشة.

الرغبة في التفلسف مع الأطفال الصغار تعني المغامرة بالبدء من حيث يجب الانتهاء. وتستغرب حنة أرندت من كون البيداغوجية الحديثة، وإن انخرطت في أفكار جان جاك روسو، تعود إلى المناهج القديمة، المتمثلة في التعامل مع الطفل كراشد صغير([32]). وعلى الرغم من الاختلافات النظرية العميقة بين فيغوتسكي، وفالون وبياجيه، إلا أنهم يتفقون على نقطة واحدة. فاكتساب التفكير المفاهيمي الصارم والاستعمال المناسب للتصنيفات المنطقية هما بطيئان بل ويصعب التعامل معهما بشكل صحيح. ومع ذلك فهما اللذان يشرطان على الأقل الوصول إلى التفكير الفلسفي([33]). لا يعني عدم وجود فكر بدون لغة أن ثمة بالضرورة فكر نقدي حين تتأسس اللغة ويكون لها نحوٌ ينظمها. وقد لاحظت هذا ماري فرانس دانييل، خبيرة كيبيك في فلسفة الأطفال: إن الأطفال يتحدثون ويفكرون؛ فهل هم يتفلسفون؟

الأطفال، إن تركوا لوحدهم، لن يتمكنوا من ذلك! صحيح أنهم بشكل تلقائي يميلون إلى تبادل مروياتهم، أي سرد حكايات شخصية دون الانشغال بوجهة نظر الأقران. لكن، بتوجيه من الراشدين، ينجح الأطفال في تبادل الرأي على شكل حوار أحادي([34]).

+++++

يمكن أن يكون الفن الخطابي للنقاش، وفن سيْر الحوارات، مفيدان في ضبط النقاشات، سواء بالنسبة في التربية على التمدن أو في فن «تسييل fluidifier» التواصل الاجتماعي، لكنهما يبقيان عند عتبة الفلسفة. لقد كان إسقراط Isocrate خطيبا عظيما، ماهرا في مناقشة الأفكار، بل ومتوجسا من السفسطة، ومكونا فعالا في القانون والسياسة، لكنه مع ذلك لا يعتبر فيلسوفا، حتى وإن باشر أحيانا مواضيع فلسفية([35]). عيب هذه الورشات والحوارات لا يكمن في اقتراح مقاربة بيداغوجية أصيلة. فالحوار وتبادل الآراء هي دوما مهمة، سواء من الناحية اللغوية أو الأخلاقية أو الاجتماعية. ولا يتعلق الأمر في جميع الأحوال بانتقاد ممارسته [الحوار] داخل الوسط المدرسي. فالنقاش المسمى «فلسفيا»، والذي من أهدافه أولا زرع قيم المواطنة المقبولة اجتماعيا، يهدف إلى إنشاء عادات أخلاقية وسلوكية. لكنه، حتى وإن استدعى مع ذلك إلى مقاربة أولية لبعض القيم، لا يتمكن في هذه المرحلة بلوغ تأمل نقدي حقيقي لهذه القيم نفسها.

أما التعليم الفلسفي فلا يهدف، حتى في صورته الأكثر أكاديمية والأكثر مدرسية، سوى إلى تحرير التلاميذ. مهمته هو التساؤل حول كل ما هو بيّن، وحول كل الحقائق، بما فيها المتعلقة بالاحترام، والتسامح، والمواطنة، والتضامن والحقيقة، وهي كل القيم التي تتوافق مع الانتظارات الاجتماعية الحالية. ينطبق هذا على مجال الأخلاق، وعلم المعرفة، والسياسة وعلم الجمال وأيضا البيداغوجية. من الناحية العملية، وكما يرى باشلار، يفترض الفكر النقدي دوما «قطيعة» لا تتأكد إلا حينما ينبني ال«عائق الإبيستيمولوجي» للمعرفة المشتركة بالفعل وأن تكون الأسس الفكرية متينة بما يكفي للسماح بوضعها موضع سؤال([36]). تعريف مختصر لكانط سيلخص هذا المطلب المزدوج للتأمل النقدي والذي يتطلع إلى العالمية:

المعرفة الفلسفية هي معرفة عقلية تأملية وتبدأ بذلك حيثما يتوقف الاستعمال المشترك للعقل ليشرع في بحوث معرفية كونية مجردة in abstracto([37]).

لا يكفي التحدث، والتساؤل، ومبادلة الرأي، واستعمال البراهين، وربما الشك في كل شيء للظهور بمظهر الفيلسوف، بل لابد من القدرة على التشكيك فيما يتم التفكير فيه (الموضوع)، على التساؤل عن كيفية التفكير فيه (المنهج) والتساؤل عن حدود فكره الخاص باعتبار كونه معقولا (الصدق).

        

                                            

«»



المرجع

Revue philosophique de la France et de l'étranger 2015/3 (Tome 140), pages 291 à 306. Éditions Presses Universitaires de France

الهوامش

[1]-  Gilles Ferréol (dir.), Intégration, lien social et citoyenneté, Villeneuve d’Ascq, Presses universitaires du Septentrion, 1998.

[2] -  Matthew Lipman, Thinking in Education, Cambridge, Cambridge University Press, 2003.

[3] -  Marie-France Daniel, La Philosophie et les enfants. Les modèles de Lipman etde Dewey, Montréal, éditions Logiques, 1992 (réédition De Boeck et Belin, 1996).

[4] - - Jacques Lévine, « La notion de “monde philosophique des enfants” », in Michel Tozzi (dir.), Apprendre à philosopher par la discussion. Pourquoi ? Comment ?, Bruxelles, De Boeck, 2007. Voir aussi, du même auteur, « E ssai sur le monde philosophique de l’enfant », in Claudine Leleux (dir.), La Philosophie pour enfants, Bruxelles, De Boeck, 2008.

[5] - Anne Lalanne, La Philosophie à l’école : une philosophie de l’école, Paris, L’Harmattan, 2009. Voir aussi du même auteur, Faire de la philosophie à l’école élémentaire, Thiron, ESF, 2004.

[6] -   Jean-Claude Pettier, La Philosophie en éducation adaptée, utopie ou nécessité ?, Villeneuve d’Ascq, Presses universitaires du Septentrion, 2002. Voir aussi du même, avec Jacques Chatain, Textes et débats à visée philosophique au cycle 3, au collège (en segpa et… ailleurs), CRDP, académie de Créteil, 2003.

[7] -  Christophe Marsollier (dir.), La Philosophie à l’école. Pour apprendre à vivre ensemble, Paris, L’Harmattan, 2011.

[8] - Voir le site « Institut de pratiques philosophiques » : www.pratiquesphilosophiques. fr.

[9] -  Georges Canguilhem, « Qu’est-ce que la psychologie ? », in Les Cahiers pour l’analyse, janvier 1966, p. 73 (et Études d’histoire et de philosophie des sciences, Paris, Vrin, 1994, p. 206).

[10] -Diogène Laërce, Vie, doctrines et sentences des philosophes illustres, Paris, Flammarion, 1965, t. II , pp. 5 sq.

[11] - يسأل المعلم: «لو لم أكن هنا، فأين سأكون؟». «هنا، لأنك هنا!» يجيب الأطفال الذين يرفضون مراعاة الإمكانيات التي لا تتناسب والواقع البين. فالمشكلة الحقيقية تكمن فيما يسمى في المنطق بالافتراضات اللاواقعية. الحال أن أنماط الفكر المشروطة هذه تشكل القاعدة العملية للتأمل الفلسفي.

[12] - إن المفاهيم الطفولية الزائفة هي تراكمية. هي لا تأخذ بعين الاعتبار عدم التوافق التجريبي أو التناقضات المنطقية. على سبيل المثال: الحياة هي حركة لكن في نفس الوقت اللاحركة، والتنفس، والقصور الذاتي، والدورة الدموية بل وأيضا غياب الدورة الدموية والتنفس في حالات أخرى، إلى غير ذلك. انظر في هذا الشأن: Jean Piaget, Le Jugement et le raisonnement chez l’enfant, Neuchâtel et Paris, Delachaux et Niestlé, 1924, ainsi que Henri Wallon, Les Origines de la pensée chez l’enfant, Paris, Puf, 1945, 2 vol. 

[13] - Bernard Jolibert, « Philosophie et représentation du monde, à propos d’un emploi affaibli du mot philosophie », in Le Philosophoire, 2013, n° 40, p. 26.

[14] -  Pierre Hadot, Qu’est-ce que la philosophie antique ?, Paris, Gallimard, 1995, p. 27.

[15]- Bruno Barthelmé, « La philosophie à l’école primaire ? », in Jean Lombard (dir.), L’École et la Philosophie, Paris, L’Harmattan, 2005, pp. 157 sq.

[16] - Christophe Marsollier, La Philosophie à l’école, op. cit., p. 49.

[17] -  Theodor Litt, Introduction à la philosophie, Lausanne, L’Âge d’Homme, 1983, pp. 13 sq.

[18] -  المدارس العليا للتعليم والتدريس، الموروثة عن المعهد الجامعي لتكوين المعلمين (IUFM) التي حلت محل معاهد تكوين المعلمين (ENI).

[19] -Bernard Jolibert, La Laïcité, actualité et histoire d’une idée, Bruxelles, EME, 2005, p. 115.  . انظر بالضبط الفصل المتعلق بتوغل طوائف في العالم المدرسي تحت غطاء التجديد البيداغوجي أوالانفتاح الروحي على العالم.

[20] -  Bruno Barthelmé, « L a philosophie à l’école primaire », art. cit., p. 188.

[21] - Jocelyne Beguery, Philosopher à l’école primaire, Paris, Retz, 2012, p. 36.

[22] -  Lewis Carroll, La Logique sans peine (1887), trad. de Jean Gattégno et Ernest Coumet, Paris, Hermann, 1966.

[23] - Jacques Lévine et al., L’Enfant philosophe avenir de l’humanité ?, Paris, ESF, 2014, pp. 19, 28, 39 sq

[24] -Jocelyne Beguery, Philosopher à l’école primaire, op. cit., introduction.

[25] - Michel Tozzi, cité in « Philosopher à l’école primaire. La méthode Tozzi », 22 novembre 2012 (http://www.vousnousils.fr/2012/11/22/philosopher-ecole-primairemethode- michel-tozzi-537802).

[26] -John Locke, Quelques pensées sur l’éducation, trad. de Gabriel Comayré, Paris, Vrin, 1966, pp. 105 sq.

[27]   Emmanuel Kant, Réflexions sur l’éducation, trad. d’Alexis Philonenko, Paris, Vrin, 1966, p. 112.

[28] - Voir Robert Blanché, L’Axiomatique, Paris, Puf, 1966.

[29] -  Emmanuel Kant, Réflexions sur l’éducation, op. cit., p. 112.

[30] - Jean-Jacques Rousseau, Émile, Paris, Gallimard, p. 317.

[31] - Réflexions sur l’éducation, op. cit., p. 119.

[32] - Hannah Arendt, « La crise de l’éducation », in La Crise de la culture (1961), Paris, Gallimard, 1972, p. 240.

[33] - Jean Piaget, Le Jugement et le raisonnement chez l’enfant, op. cit. ; Henri Wallon, Les Origines de la pensée chez l’enfant, op. cit. ; Lev Vygotsky (1933), Pensée et Langage, trad. de Françoise Sève, Paris, Éditions Sociales, 1985.

[34] - Marie-France Daniel, «Philosopher à 4 ans», http://www.cenestquundebut.com/autour-du monde_8/Philosopher-a-4-ans

[35] - Jean Lombard, Isocrate, rhétorique et philosophie, Paris, Klincksieck, 1990.

[36] -  Gaston Bachelard, Le Matérialisme rationnel, Paris, Puf, 1953, p. 31.

[37] - Emmanuel Kant, Logique, trad. de Louis Guillermit, Paris, Vrin, 1966, p. 28.

تعليقات