فيليب ميريوه
اقرأ لنفس الباحث: المدرسة،فسحة للتفكير
هل يمكن أن تكون
هناك تربية دون صدمات؟
إن طرح السؤال حول مدى
إمكانية وجود «تربية بدون صدمات نفسية»، يعتبر بمثابة اعتراف ضمني بقدرتنا على
التحكم فيما يقع لطفل ومراهق، وما سيحدث له في حياته ويساهم في بناء شخصيته.
والحال أن ادعاء كهذا إنما هو، في نفس الوقت، عبثي وخطير.
وهم القدرة الكلية
للتربية
عبثي لأنه يفترض أن جميع
الوقائع تخضع لنوع من البرمجة وأنه بالإمكان التدخل في كل واقعة من المحتمل أن
تصيب الطفل بصدمة نفسية. صحيح أن ما يحدث في حياة الطفل يرجع، في جزء منه،
إلينا... لكن في جزء منه فقط. أما ما
يعيشه في غيابنا (مع رفقائه، في الزقاق، عند مشاهدة التلفاز، وعند مقابلة راشدين
آخرين) فلا يمكن التحكم فيه أبدا. ثم إننا، فيما يتعلق بنا، لسنا مستعدين دوما
للتضحية بما نعتقده صحيحا أو ضروريا في ضوء رغباتنا ودوافعنا الخاصة، وذلك حمى لا
يتعرض الطفل للصدمة. إذ يمكن لانتقال مهني، أو نزاع عائلي، أو ردة فعل تجاه انزعاج
أو غضب أن يفرض نفسه علينا دون أن نكون قادرين فعلا على مقاومته في الوقت الذي
نستشعر احتمال وقوع صدمة. علاوة على ذلك، وفوق كل ذلك، تفرﱡد الوضعيات والمصائر
الفردية هي بالحجم الذي يجعلنا لا نعرف معه أبدا بشكل مسبق كيف ستعاش الوقائع:
فالحدث نفسه قد لا يكون له أي أثر على فردٍ ما، وقد يبصم آخر مدى الحياة. نفس
الجملة، التي نسيها مؤلفها لحظات بعد النطق بها، يمكن أن تشكل قرارا عقابيا يثبت
شخصا في مكانه وقد أصيب برضوض نفسية دائمة قد تجره نحو الكآبة، أو، على العكس، قد
تشكل بالنسبة لآخر تحديا نفيسا لتجاوز ذاته.
فكرة القيمة
لكن الرغبة في التحكم في
كل شيء حمايةً للطفل من أدنى صدمة تشكل، هي أيضا، خطرا كبيرا على تربيته. فمن دون
أحداث مفاجئة، من دون «اضطرابات» غير متوقعة كما يقول علماء النفس، لن يمكن للطفل
قادرا على ينمو. لن يكون لذكائه أي دعم، ولا أي وسيلة لأن يتمرَّس؛ لن يكون بإمكانه
أبدا أن يتوقع أمرا، أو يتحقق من أمر أو يثبت تنبؤاته، أو يتساءل عن معنى ما
يحياه، أو يواجه تجارب جديدة، أو يستدمج معارف جديدة عن العالم وينتهي ببناء
وضعيته الخاصة. فالحياة التي يتم التخطيط فيها لكل شيء تقتل العقل، وتربي فقط على
ردود الفعل الآلية وتحث، إضافة إلى ذلك، على الفكر «الاستراتيجي»: حيث البحث فيها
على «التعايش مع» أو «الاستمتاع» عوض محاولة الفهم بشكل جِدي. وإجمالا، إن التربية
المبرمجة، وهي في صالح الطفل -حتى لا يصاب بصدمة-، تقزمه حتى يصبح جرذا في متاهة:
فتنهك قواه داخلها، يموت ببطء، يحتار بين العنف والسلبية. في خضمها ليست
الطوباويات الشمولية خاطئة... فمن 1984 لأورويل إلى عالم جديد شجاع لهوكسلي تبلور
حلم مرعب: فسيطرة المربي المطلقة على المتربي، ال«مربي العظيم»، الذي يرسم الطريق،
ويقرر كل شيء مكان الآخرين، يعرف ويفرض ما هو في «مصلحتهم» ويشكل «منفع»تهم.
أما إذا أردنا التخلي عن
نشوة التحكّم والقوة المطلقة، فلا يمكننا التأرجح، بذلك، بين قبولٍ غير مشروط لأي
حدثٍ صادم (بحجة أننا لن نتوفر على وسائل لتفاديه)، وقدريةٍ (تحت ذريعة السماح
للطفل بالقيام ب«تجاربه»)، أو سلبيةٍ (تحت ذريعة احترام نمو شخصيته). ما يميز التربية
هو كونها، على وجه التحديد، نشاطا يتحتم علينا دوما في خضمه، بطريقة أو بأخرى، أن
نقرر مكان الآخر ما يساهم في نموه ويساعده على بناء شخصيته... فلو كان في مقدوره
أن يقرر ذلك، لكان قد رُبِّي من قبل. صحيح أنه لا يمكننا ولا يجب علينا أن نقرر كل
شيء يهم الآخرين، لكن علينا أن نحسم في عددٍ من الخيارات التي تتراوح بين سلوكات
يومية جد متكررة (الاستخدام الصحيح للغة، احترام الوقت، آداب المائدة، وغيرها)
ومواقف اجتماعية مؤسِّسة للحياة الاجتماعية (ما نسميه «آداب السلوك» الذي يشكل
بالتأكيد، بعد التخلص من حزمة التوافقات القديمة، شرطا أساسيا للتبادل بين الناس)
بل والقيم كذلك (السياسية، الدينية، الثقافية) التي نعتقد فيها والتي من المشروع
أن تكون لدينا رغبة في أن نجعل مَن نحب يؤمن بها. إن الطفل يأتي إلى العالم عاجزا
تماما لدرجة أنه يتعين علينا دوما أن نقرر أولاً مكانه، شرط أن يكون هذا مصحوبا
بقلق أن تسمح قراراتنا له بالتدريج أن يلعب أدواره، «أن يعبر عن أناه»، كما يقول
بيستالوتزي، بمعنى من المعاني، لكي «يحقق ذاته»، في النهاية، بفضل الاختيارات التي
يقوم بها من بين ما نقدم له من اقتراحات.
بعبارة أخرى، إن
مسؤوليتنا التربوية، والمتعلقة منها بالخصوص «بإدارة» الصدمات، تتم على عدة
مستويات:
ال«حق في الطفولة»
وال«حق في المدرسة»
بداية، يلزمنا التأكد من
أن أطفالنا لن يتعرضوا، خلال نموهم، لصدمات عنيفة، هدامة، قد تهدد سلامتهم الجسدية
والنفسية. عدم القيام بذلك سيؤدي إلى إمكانية حدوث تطورات بعدية، وقد عرفنا وفي
هذا الإطار تجارب لن نتعافى منها. لهذا، وإضافة إلى «حقوق الطفل»، علينا كراشدين
ضمان «الحق في الطفولة». إنه الحق في عدم التعرض لوضعيات مشينة، وعدم العيش قبل
الأوان في المخاوف المعقدة لكبار السن، وعدم الاحتكاك بالبذاءة بشكل مستمر، هذا
الاختزال الذي لا يطاق لجسم الإنسان في اللحم الذي يلغي الذات في الكائن الانساني.
إن مسؤوليتنا هنا هي، بالدرجة أولى، قانونية وتتعلق أيضا بالاعتداءات الجنسية،
وسوء المعاملة، ونشر الصور أو النصوص الإباحية بين القاصرين التي تشوش عليهم
وتزعجهم: أي كل الجرائم التي يجب أن يعاقب عليها القانون.
من نفس المنظور وبغض
النظر عن الحقوق التي تنبثق عن مسؤولية المواطنين والمُشرﱢع الذي يتصرف بالنيابة
عنهم، فإن مسؤوليتنا ترتبط أيضا ب«الفضاء الآمن» الضروري للتعلم والنمو. فالتعلم
يفرض على النامي محاولة القيام بشيء هو لا يعرف القيام به، لكي يتعرف ،بوجه التحديد،
على كيفية القيام به: المشي حين لان يعرف المشي ليتعلم كيف يمشي، والتكلم حين
لايزال يغمغم ليقدر على التواصل، والقراءة رغم أن النص يخيف، والحساب وإن لم يكن
يفهم شيئا في عالم الأرقام، وغيره. إذن ما هو المطلوب من الطفل ليلقي بنفسه وسط
المعمعة ويحاول فعل ما يبدو له مستحيلا قبل أن يستوعب ذلك؟ علينا أن نضمن له
أحقيته في التجريب، وأحقيته في الخطأ، وأنه، إضافة لذلك، لن يتعرض للسخرية ولا
للعقوبة التي قد تثبطه، بل موسوما إلى الأبد. لهذا السبب يتوجب على «المدرسة» أن
تلعب دورا أساسيا، فيما يتعلق بالتعلم، شرط أن تعود به إلى معناه الأول الذي كان
يعني، في اللغة اليونانية، «ترفيه loisir»: أي
ضمان وقت وفضاء لا يضطر فيه الواحد للنجاح فورا، والذي يمكن له فيه استكشاف طرق
جديدة، والمخاطرة بفعل أشياء تثير، مع ذلك، المخاوف أو تبدو صعبة التحقق. وقت
وفضاء نكون معهما متيقنين من عدم تلقي عقاب سريع عند الفشل، وحيث يمكن تلقِّي نظرة
عطوفة حين نتردد في اتخاذ الخطوة الضرورية وإيجاد الموارد اللازمة
لتحسين الأداء، ولاكتساب
الثقة في النفس ويصبح الطفل بشكل تدريجي قادرا على مواجهة وضعيات العالم الخارجي
لوحده. بهذا المعنى تصبح المدرسة -بما فيها الأشكال الغير النظامية (ثمة حالات
«مدرسية» داخل الأسرة، وفي التنظيمات الجمعوية، وفي بعض التجمعات الشبابية العفوية)-
هي بالفعل فضاء ًمهمته، إن لم تكن القضاء تماما على الصدمات النفسية، فجعل الحتميةَ منها لكل تعلم، على الأقل،
متحملة: لا يمكن أبدا لأية بيئة، كيفما كانت ملائمة، ولا لأي مربي، كيفما كان
متنبها، أن يعوضا بشكل مناسب، في الواقع، القرار الفردي المتخذ للتعلم و ل«شجاعة
البداية»، على حد تعبير فلاديمير يانكيليفيتش؛ في هذه الصدد ستكون هناك دوما
مخاطرة لا يجب الاستهانة بها يمكن أن يقال عنها أنها متضمِّنة لبُعد صادم: كترك
المعلوم وإقناعاته المريحة لمواجهة المجهول وما يخلقه من حالات عدم الاستقرار، أو
التخلي عن صورةٍ للذات لإبراز صورة مختلفة عنها، ونبذ مخيال أولئك الذين عرفوك
طفلا ولايزالون يرونك كذلك، لتجعلهم يرون شخصية جديدة تقلقهم، لا يستطيعون الامساك
بها والتي، أحيانا، لن يعودوا يفهمونها. إن مهمة المربي الممارس هنا هي السماح
بالمرور إلى الفعل في إطارٍ يخلق له فرص التحقق، وفي نفس الوقت استقبال هذا الفعل
في أفضل الظروف الممكنة حتى لا يتم تثبيط الفعل القادم: فمن ناحية، توفير الفرص،
وال«مواقف المتخذة» بشكل إرادي، من خلال الدعامات والمحفزات، عبر
الوضعيات-المشكلات المتعددة، والتي من الممكن الوصول إليها إبان تمثلِ تقدمٍ ملحوظ
عند تجاوزها باقتراح مواضيع قادرة على تعبئة الرغبة وتعبئة المؤسسات التي تسمح لها
بالتعبير عن نفسها. ومن ناحية أخرى، الترحيب بتدخلات كل واحد، دون إفراغ أو
التظاهر بنسيان الطابع الصادمي الذي لا يمكن تجنبه والذي هو متضمن فيها، ولكن
بالثناء عليها بطريقة ما ببادرة ترحيبية: إن إصابة الذي قرّر النمو بصدمةٍ ليست في
الحقيقة بنّاءة لما هو إنساني إلا في حالة ما إذا كانت مصحوبة بموقف ينم على تعجب
متواضع من قبل الراشد الذي يكتشف أن علامة إنسانية قد طفت لتوها، وذلك، في نفس
الوقت وبنفس الطريقة الجذرية، بفضله وبدونه.
وساطة الثقافة
وراء هذه الحماية
المفروضة علينا تجاه الطفولة احتراما منا بتعهداتنا الإنسانية، فإن مسؤولياتنا
كمربين تفرض علينا أن نوفر للطفل الوسائل الضرورية ليعيش ما يتحتم من صدمات نفسية
التي ستصادفه خلال وضعيات متعددة في حياته الخاصة: اكتشافٌ قاسٍ لخيانة صديق، فشلٌ
شخصي مدرسي أو رياضي رغم المجهود المبذول خلال الاستعداد، تجربةٌ عنيفة غير
مرتقبة، معاناةٌ جسدية أو الموت، وغيره. هذه الأحداث لا تقع، بطبيعة الحال، «في
الوقت المناسب»، الوقت الذي نكون فيه مستعدين لتحليلها أو التقليل من شأنها، وحين
تذكرنا نعض مصالحنا أن الحياة تبقى غنية بشكل غير محدود وحاملة لفرص السعادة المحتملة
بشكل لانهائي. إن الصدمات النفسية تحدث، تحديدا، حينما يغطي حدثا باقي الأحداث،
ويسود الأفق فيبدو وكأنه يطمس المستقبل بشكل تام. حينها يمكننا دوما أن نجعل الطفل
ينسى ما وقع، مراهنين على الوقت والنسيان؛ لكن باتخاذ هذه الطريقة لن نساهم
بفعالية في بناء الشخصية، ولا بالتقزيم المستمر لما وقع أو بترديد أنها «ليست
المرة الأولى ولا الأخيرة التي ستصادفنا وضعية من هذا القبيل وأن الآخرين قد خرجوا
منها سالمين!». وهنا يبقى التخاطب والتواصل هما الأجدر، لا يمكن الاستغناء عنهما
وهما يتطلبان، في الغالب، وساطة.
ليس من السهل التحدث عما
وقع، خصوصا حين تكون الشحنة الوجدانية قوية جدا و تتنكد العلاقات العاطفية في سياق
الأزمة. لربما قد يكون هذا مرغوبا فيه. المراهقون يعانون من هذا بالضبط، حيث تكون
لديهم رغبة جامحة للحوار مقترنة بخوف مهول من أن يقتحم أحد حميميتهم. لهذا السبب غالبا
ما يكون مفيدا أن نراوغ ونستعمل وسائط، لربط الاتصال، يمكنها أن تتمثل في
الإبداعات الأدبية أو السينمائية، والتظاهرات الثقافية المختلفة التي تنجح في نقل
التعبير، بدرجة عالية من الإتقان، عما يقلق الانسان ويغضبه ويسبب له المعاناةٍ
مساهِمة في تدميره أو، على العكس من ذلك، في بناء شخصيته. فعندما يتم التفكير في
الحدث داخل إطار ثقافي يقحم تاريخ الإنسانية فإنه يفقد وحشيته البدائية؛ إنه
-الثقافي- يصير وسيلة للاتصال بالآخرين وللمشاركة الإنسانية فتتم آنذاك مقاسمة
الصعوبات وأيضا الآمال. يسمح هذا بالكثر مما يسمح بالخروج من الانعزالية؛ ثمة
إمكانية للحصول على نوع من الطمأنينة التي تحل بشكل تدريجي في قلب المعاناة أو
الانفعال... طمأنينةٌ لا تلغي التمرد ولا حتى الحزن لكنها تسمح بترجي إمكانية
التسامح، تعيد فتح الأفق شيئا فشيئا وتسمح بالأمل في، لا النسيان، بل تجاوز و،
ربما، عودة الثقة في النفس والقوة الداخلية التي تجيد التلاؤم مع الدعة واستدخال
صورة الانسان في أفضل أشكاله.
هذه، على الأقل، هي
التجربة التي يمر منها عدد كبير من الآباء حين تعرف العائلة موت عضو منها
ويستعملون عند مقاربة هذا الحدث مع أطفالهم الصغار كتابا ثمينا كغُرَير البئيس
(المدرسة الترفيهية). نفس الشيء يمكن أن يعيشه المدرس وهو يشرك تلامذته في التفكير
في عنف صور إبادة مبثوثة عبر قنوات التلفاز، يتم الاستخفاف بها لدرجة الخلط بينها
وبين روايات الخيال العلمي أو، على العكس من ذلك، نشر الجثث المشوهة بوحشية التي
لا يمكن إلا أن تثير الاشمئزاز... قراءة وتحليل «النائم في الوادي» لرامبو يمكن أن
يُحوﱢل استراق النظر إلى تعاطف حقيقي، وتأمل في ظلم وتفاهة الحرب التي قتلت
مراهقا، رغم أن هذه القراءة متوافقة تماما مع جمالية العالم. إنها حالة المدرس
الذي يشتغل مع مراهقين يواجهون صعوبةً كبيرة، ضحايا وجلادون في نفس الآن يعيشون في
عالم هامشي يتحكم فيه قانون غابوي لا يرحم، ويعمل على جعلهم يكتشفون نشأة الآلهة
لهيسيود: «في المقابل، يولِّد التنافس البغيض النسيان، المجاعة، المعاناة المصحوبة
بالدموع، المشاجرات والحروب، القتل والطعن، الخصومات، الأكاذيب، النقاشات،
النزاعات، القوانين السيئة والكارثية المتلازمة دوما...» في خضم هذه الفوضى لابد
من تدخل زيوس ليقيم النظام كي يبزغ عالم قابل للعيش فيه. لقد لبست الحكاية بالفعل
معناها وكيَّفت اللاإنساني: تفصِّل، وتسمي، وتحكي الذي وقع لتأخذ مكانا لها...
هناك أيضا قصة أستاذ الثانوية المهنية، الذي يواجه مأساةً يومية متمثلة في غياب
الآباء والذين لضعفهم التام لا يقدرهم الشباب تماما، فاقترح عليهم الأستاذ قراءة
جماعية لقصة موباسون القصيرة، الابن: حينها أمكن لكل واحد التحدث عن نفسه بوساطة
نص جعله، في نفس الوقت، منخرطا ومتخذا مسافة [حذرا]،. قد يحدث أن ينفلت الوضع وأن
يتمادى تلميذ في استفزاز شخصه أو في اعترافات خليعة؛ في هذه الحالة على المدرس
التذكير بالنظام الذي يفرضه النص: فمن خلاله، وكذا من خلال مواضيع أدبية أخرى،
يشرع كلٌّ على حدة في النشاط الذي يسمح بإثارةٍ استيهامية للأبوة: هنا نكون قريبين
جدا من فرانكشتاين، وبيغماليون وبينيكيوه أيضا. يتم استفسار الصدمات النفسية للفرد
في حالاتها المتفردة العميقة جدا إلى حين انكشافها في كونيتها: لا شيء هنا «يواسي»
بسخافة، ولا شيء يمحي آثار الجرح بأعجوبة، وإنما هناك وعي متدرج بإنسانية الإنسان.
وفي هذا يقول فرانسوا مورياك أن المربي هو الذي «يؤسس إنسانية الإنسان». هو يفعل
ذلك أيضا من خلال الطريقة التي يردد بها صدى الصدمات النفسية التي تصر على التواجد
فيما نحْكِه للطفل أو المراهق من قصص مرفقة بالأسئلة، وكذا في حالات القلق
والأساطير المؤسسة لهذه الإنسانية.
صدمات نفسية لا غنى
عنها؟
أخيرا، ليس بالإمكان
الإفلات من مسألة الصدمات النفسية لضرورة يفرضها المربي على الطفل حتى يساعده على
النمو: طقوس الانتقال الموسمي التي تتفاوت نسبة عنفها، العقوبات المبررة بشكل كلي
أو جزئي، حالات الهلع، المخاوف وحالات القلق التي يفرضها الأكبر سنا بدرجات
متفاوتة ويرون فيها فرصا ثمينة للتعلم على «تهذيب النزوات»، للسيطرة على النفس
وتجاوز المحن البسيطة تهيؤا لتلك، الأكثر صعوبة من دون شك، القادمة فيما بعد. من
هذا الناحية سيكون إيجابيا أن يرتعد الطفل، في الليل، خائفا من الظلمة لعدم سماح
والديه له بإشعال الضوء؛ سيكون مفيدا تهويل الامتحانات والاختبارات بغية جعل
الشباب يعيشون حالات إجهاد؛ سيكون مبررا تهديد اليافع بعقوبات تتناسب والأخطاء
المرتكبة لتسريع نمو خياله الملحمي والتمكين من زرع الثقة في النفس عند اكتشاف أن
المخاوف التي تمت تغذيتها لا تتحقق في الواقع. وللتوضيح فإن الحضارات بأجمعها قد
قامت أو هي تقوم بهذا الإجراء: ألم يُفرض على شباب الهنود عبور الصحراء بجرعة ماء
واحدة في أفواههم ويبصقونها عند وصولهم بغية «تقوية عزيمتهم»؟
هذا مؤكد، إلا أن هذا
الاختبار قد أُعِد منذ فترة طويلة؛ دافع عن دلالته مجتمعٌ بأكمله مدعيا طابعه
القدسي؛ قد شكّل جزءا من الأساطيرِ الاجتماعية المستوعبة تماما ومجموعةٍ متناغمة
من الطقوس. الشاب الهندي كان متدربا على استحمالِه وكان يرافقه عرّابه حتى اليوم
المشؤوم. هو نفسه من طلب شرف التنافس أملا في أن يصبح عضوا ضمن مجتمع الكبار. لقد
كان جليا لديه ولدى الجميع أنه في نهاية السباق سيمكنه تحقيق عدد من الامتيازات،
كاختيار لقب واكتساب زوجة وتأسيس عائلة.
بيد أنه من الممكن
مساءلة هذه «الطقوس الصادمة» التي يدعي مجتمعنا فرضها على أطفاله من أجل مصلحتهم:
إذ لعدم تواجدها ضمن ميثولوجيا متماسكة واضحة، فإنها غالبا ما تظهر بحسب ما يقدّره
الكبار، بل تكون في بعض الأحيان تعبيرا عن نزواتهم. في أقصى حالات «المضايقات» التي
يمارسها كبار التلاميذ على الصغار، لا يعطي الخضوع لها أي حق في سلطة إخضاع
الآخرين لها في السنوات القادمة... فهو قبول محزن للطابع السادي كُليةً لهذه
الممارسة. وحتى إن لم تكن مهينة، فإن هذه التجارب في حد ذاتها لا تُكوﱢن، في
الحقيقة، شخصيته. إنها لا تساعد على النمو إلا حين تدخل في إطار بيئة مكوِّنة، وأن
تأخذ موقعا في لحظة معينة من تطور الشخصية وتكون موضوع استثمار شخصي مدعوم من قبل
مجتمع يعطيها معنى. والـــ«بيئة المكونة»، التي سبق لنا الإشارة إليها، هي تلك
التي تضمن صراحة استمرار التجربة دون أن تتعرض سلامة وكينونة الفرد لأي انتهاك:
فبدون إطار يمنح مسار التجربة أمنا نفسيا وجسديا، لا يمكن للفرد أن يتحرك إلا تحت
الضغط وبذاك سيعمل على تجنب التجربة عندما يعتبر أنه من الضروري مواجهتها. «اللحظة
الحاسمة» للتدخل، هي التي يختارها ويحددها الراشدون (مع هامش تقريبي لا مفر منه)،
معتقدين أن الطفل أو المراهق، بسبب تجربته التي راكمها من قبل وما نوفر له من
موارد، يملك الوسائل لمواجهة تحدٍ يبقى مع ذلك صعبا بالنسبة إليه، بل وقد يهدد
نموه. ف«الاستثمار الشخصي» هو الإرادة التي تدعمها الرغبة: الرغبة في أن يصبح
شبيها ل«شخص راشد»، أن يتجاوز ذاته، أن يتخذ خطوة حاسمة فيتم الاعتراف به بعد ذلك
داخل المجموعة التي ينتمي إليها... ترى ما الأمر الذي لا نمعن فيه النظر أكثر في
الطريقة التي يتعلم بها الأطفال التكلم أو المشي! يمكن أن نرى فيها كيف يضمن
الكبار إفلاته من العقاب عند ارتكاب الخطأ أو الحد من المخاطر الجسدية والنفسية؛
سنجدهم يحاولون استغلال الفرصة طمعا في تحقيق تقدم حاسم والاعتراف بالجهد المبذول
مقرين، في نفس الوقت، أنهم يتجردون من أصله وينسبون للآخر تصرفاتهم الخاصة. إنهم،
من خلال فعل الإحالة هذه المتحققة في سياق ملائم، يستدعون فردا لجعله يبرز على أرض
الواقع.
من أجل بيداغوجية مصاحبة
لركوب المخاطر
لنعد، للختْم، إلى مثال
جد متداول. يمكن أن يحدث هذا في أي إعدادية: خوسيه، جيرار أو أحمد تلميذ يصل
متأخرا كل صباح للمرة العاشرة على التوالي. ولأن المدرس قد رفض دخوله للقسم، فقد
توجه إلى مكتب أحد المشرفين التربويين الذي أبدى بعض الانزعاج. انطلق الطفل في
خطبة طويلة لتبرير موقفه: فهو الوحيد، بالمنزل، الذي يستيقظ صباحا منذ أن أصبح
والده عاطلا عن العمل؛ ثم عليه أن يشرف على ابنة أخيه الصغيرة إلى وقت متأخر من
الليل لأن عمتها، التي تحرس على تربيتها لوحدها، وجدت عملا كمنظفة بأحد المكاتب في
الجوار؛ لم يعد متحمسا للوصول في الوقت المحدد في حين أن الأساتذة، أنفسهم، يسمحون
لأنفسهم بالوصول إلى مقرات عملهم متأخرين بشكل منتظم؛ أما بالنسبة لدرس هذا
الصباح، وهو درس الفيزياء، فهو بالتأكيد لا يفهم شيئا من هذه المادة... علاوة على
أن الأستاذ أخبره أنه قد راكم تأخرا كبيرا من الصعب تداركه. في ظل هذه الظروف، بأي
حق يمكن أن تفرض عليه عقوبة بسبب تأخره؟
لنعترف أن الصورة
كاريكاتورية شيئا ما؛ لكن ما يهمنا هو أنها من الناحية الهيكلية ممكنة وأنها، من
هذا المنطلق، عادية تماما. إنها، أيضا، واقعية بشكل رهيب ولا يمكن للراشد، في هذا
الوضع، التملص منها. عليه أن يتصرف بسرعة وأن يتخذ، بطريقة أو بأخرى، قرارا.
وكيفما كان الفعل الذي سيقوم به -وحتى إن لم يفعل شيئا- سيكون ذلك قرارا، ومن
المرجح أن يكون له أثر ما، ليس فقط على التلميذ المعني، ولكن أيضا على سلوك
زملائه، وعلى وضعيات المدرسين و، بصفة عامة، على الحياة اليومية للمؤسسة. وضعيتان
ممكنتان في هذه الحالة: تلك المتمثلة في كونه أخذ قراره انطلاقا من مجموعة المؤثرات
الممارسة عليه وتلك التي تفترض حرية غير قابلة للاختزال تجاه هذه المؤثرات وهو
قادر على مقاومتها. فمن ناحية يمكننا أن نعذر التلميذ بالنظر لكلِّما يمكن أن
يعاني منه؛ ومن ناحية أخرى، يمكن اعتباره مسؤولا بافتراض أنه، على الرغم من
الظروف، يمكنه دوما أن يتحمل الضغوط ويقرر بحرية. بطريقة معينة يمكن اعتبار
الموقفين مقبولين: أولا لأن هذا التلميذ ليس، بالطبع، متساو مع زميله الذي تهيؤ له
والدته فطور الصباح في السابعة صباحا؛ وثانيا، لأنه، في حالة عدم افتراض قدرته
التصرف بحرية، سيخاطر بالوقوع في قدرية فجة. فإما أن نعذره ولا نقوم بمعاقبته حتى
لا نظلمه ولا نصدمه، وإما أن نحكم عليه بخوض تجربة يفترض فيها أن تقوي إرادته.
لكن إرادته لا يمكن أن
تنبني بطريقة سحرية من خلال إنكار الحتميات الاجتماعية وإنكار التاريخ الذي هو
نفسه وارثه الشرعي. لا يمكن لإرادته أن تنشأ إلا في بيئة ملائمة، في حالة ما إذا
توفرت له فرصة مناسبة واقتُرِح عليه مشروع صعب لكنه واقعي يهدف من ورائه الحصول
على تقدير الكبار وتتم مساندته في تحقيق رغباته. يبقى على المربي هنا أن يبتكر
وضعيات تناسب هذا اليافع لكن دون السقوط في أدنى ديماغوجية؛ على المربي تقديم
المساعدة والدعم اللازمين كي يتطور ويرقى بنفسه، ليتمكن من تحدي نفسه ويمكنه، في
الأخير، تحمل مسؤولية أفعاله. سيُعهد إليه، حسب الحالة، تعليمُ شخص أصغر منه سنا،
أو مسؤولية تنشيط اجتماع بين زملائه في القسم وبين أساتذته حول الطرق البيداغوجية
لتدريس الفيزياء أو حول القانون الداخلي، أو مسؤولية تحرير قراءة في كتاب عن
الأسئلة التي يشعر أنها مقلقة وذلك لصالح مجلةٍ مدرسية، إلى غير ذلك.
لا شيء سهل هنا. الكبار
مجبرون على الحضور. إنه شرط، بل وحتى، شرط تربوي حقيقي لكونه في نفس الوقت مطلب
تجاه الذات ومطلب تجاه الآخر. إنها طريقة لمساعدته على النمو دون أن نقوم، على أية
حال، بإعداد الطريق له ، ودون حرمانه بتاتا من سعادة الاكتشاف أو رعشة الخوف.

