📁 آخر الأخبار

المدرسة بين علم الاجتماع، والثقافة والفلسفة: حظ البيداغوجية

 

ميشيل سوتارد

 

اقرأ أيضا: التربية والثقافة أو مسألة المعنى في عالم إستشكالي

 

المدرسة بين علم الاجتماع، والثقافة والفلسفة: حظ البيداغوجية

ميشيل سوتارد

قراءة الأعمال التي قام بنشرها جون كلود فوركين Jean-Claude Forquin إلى يومنا هذا تدعوني إلى التفكير في ثلاثة اتجاهات، وتدفعني، في نفس الوقت، إلى طرح ثلاثة أسئلة ستستمر بالضرورة في تأجيج الحوار بيننا. أي تكريم أجمل من ذاك الذي يُوجه إلى مثقف لا يتم فيه التعامل مع إنتاجاته وكأنها لمثقف مغرور ينتظر الثناء فقط، أو كأنها لمثل هؤلاء المثقفين الصغار الذين لا ينتظرون سوى الاعتراف الضمني بما يفكرون فيه، وإنما كمواضيع مفتوحة للنقاش العام؟ من حسن الحظ أن ورش «علوم التربية» المفتوح دوما يمنح، من دون شك، هذه الإمكانية أكثر من غيره. قد نقبل، من منظور إنساني، أن من حق الجميع أن يكون على صواب، لكن يجب التذكير أن، في عالم المعرفة الأكاديمية الذي لايزال قيد البناء، لا يشكل كل واحد منا على حدة العقل لوحده، بل ولسنا متأكدين من أننا لا نشكله مجتمعين... لهذا السبب يستمر الحوار بيننا ([1]).

سأبني تفكيري حول ثلاثة أزواج ستجمع بين العناصر المكونة لعنوان هذه المساهمة: 1) علم الاجتماع والبيداغوجية؛ 2) الثقافة والبيداغوجية 3) البيداغوجية والنسبية الثقافية.

 

علم الاجتماع والبيداغوجية

كم أنا ممتن لجون كلود فوركين كونه يعطي للفلسفة، في عز الطفرة الاجتماعية، فرصتها. فقد عمل، وهو يطوف حول إنجلترا، على تنبيه القارئ الفرنسي إلى أن علم الاجتماع التربوي لم يكن بالضرورة مشروعا يقفز على الواقع الاجتماعي من خلال إخضاعه إلى فكرة مقدسة: إعادة الإنتاج، الـمدرسة الرأسمالية، وحاليا الـذات. صحيح أن الفيلسوف، أمام هذا الادعاء، كان لديه الانطباع بأنه محروم. بقد أوضح أن إلباس الفكرة العظمى قدسيتها لا يمكن أن يتم دون وجود مبرر، وأنه يتوجب التفاهم مرة أخرى ودوما على اختيار فرضيةٍ شاملة للتفسير: لماذا هذا «الـمدمج Intégrateur العظيم» عوضا عن الآخر؟ وهل يمكن للـمدمج الأسمى، المتمثل في المجتمع نفسه، أن يكون خارج الهدف الذي نحدده له، والذي يجعل بالإمكان وجود عدة «نماذج اجتماعية»؟... وكانت الموجة الأيديولوجية والاجتماعية عويلا في الصحاري بحيث أن الفيلسوف وجد نفسه مرارا مرفوضا على نحوٍ منتظم، أو كان محكوما عليه بالقيام بدور الشاعر الملحمي المتناوب المعروف في الرسوم اهزلية، الذي من بعد ما أزعج الجميع بأغنيته التي لا ذوق لها، تم تكميمه في الأخير بينما الآخرون يحتفلون... إلا أننا، وبعد أن تعرَّفنا على «وجهة نظر علماء الاجتماع البريطانيين»، بخصوص مشكلة الـمدرسة، في الوقت الذي كنا فيه من الناحية الثقافية مُتكيفين على إخضاع الوقائع الاجتماعية لوحدوية أنا أفكر، ففتحوا لنا أبواب بحثٍ «قوي ومتعدد» ناطق باللغة الانجليزية، قام جون كلود فوركين بالدعوة إلى إلقاء نظرة على الواقعة الاجتماعية مأخوذة وفق قياسها الصحيح، التي تقاس أولا بتنوع الرؤى إليها. لا أعلم إلى أي مدى كان عمله رائدا في هذا المجال، وإن كان ساعد بالفعل في التطورات التي نلاحظها حاليا، أقصد: عودة علم الاجتماع إلى تواضع إيبستيمي تقوم التجربةُ بتنظيمها و حريصة، في إطار مدرسي، على ما يشكل نواتها الصلبة، قاصدين بذلك التلميذ في الوضعية التعليمية. لقد جعلنا، في جميع الأحوال، نفهم أن ليس هناك علم اجتماع تربوي واحد، وأنه بإمكان العديد من المدارس السوسيولوجية أن تتعايش في نفس البلد (بريطانيا العظمى)، وأن تحدث، مباشرة بعد طرح الموضوع للنقاش، مواجهة قوية دون خشية من التدخلات السياسية. ينبغي علينا تسجيل حقيقة أن، في هذا المجال أو في غيره، لا يشكل الفكر الفرنسي، مع ميله نحو نظام فكري منغلق على نفسه، سُرَّة الفكر الأوروبي.

 

المثير للاهتمام، في خضم هذا التأمل الفكري الذي يلهمنا به علم الاجتماع التربوي البريطاني، أن الارتباط قد تم، إن صح القول، بشكل طبيعي مع البيداغوجية. لا يعني هذا أن الأعمال الكلاسيكية (ذات التقليد الدوركايمي) في علم الاجتماع التربوي قد فقدت فائدتها وقيمتها: إذ يتعين، دوما، التساؤل بشكل علمي عن الكيفية التي تحدث بها، عموما، الوقائعُ في مجتمعاتنا، ومدى بعد ما يحدث في الواقع الملاحَظ عن المثالية الاجتماعية التي نحلم بها في الأكواخ ونفخر بها في القصور. فهناك، إلى جانب ما ذكرناه، واقع اجتماعي يومي يعرف حركية في العالم التربوي، وفي عوالم أخرى، يتوجب على العالِم تبيانه حتى يحقق الممارس، بثبات كبير، عملا ناجحا. إن سوسيولوجية المِنهج curriculum، الذي يُعزُّه زملاؤنا البريطانيون، والذي نخطأ في اختزاله في مسألة مقررات مدرسية (تجسيد جديد لنزعتنا التجريدية الفرنسية: النزعة الديداكتيكية)، تقدم نفسها باعتبارها مجهودا لفهم الفعل التعليمي في جميع أبعاده الاجتماعية. يمكن للبيداغوجية، في وطننا، أن تستفيد استفادة كبيرة من «سوسيولوجية التربية الجديدة» هذه التي تفضل المقارباتِ الميدانية، والملاحظةَ المباشرة للسلوكات والوضعيات، وتجميعَ المعطيات في السياقات الطبيعية واليومية. وستستفيد أكثر من فلسفةٍ تتبرم من «مَعامل الغاز الايديولوجية» لتربطها بلغة الحس السليم وتعيد لها صورة الحقيقة الملازمة لها...

هنا تطرح ضمنيا مسألة العلاقة بين علم الاجتماع، والبيداغوجية والفلسفة الاجتماعية التي تُسند الأولى والثانية على حد سواء. فإن أخذنا الخطاطة الدوركايمية لبيداغوجيةٍ ليست سوى انعكاس لحالة التربية في المجتمع، سيكون علينا بذلك العمل على إحداث تغيير اجتماعي من خلال المدرسة وبالمدرسة بشكل عام. أما إن لاحظنا، دون التخلي عن هذا الهدف، أن التوافق الاجتماعي يتجه صوب التفكك وأن الأفراد يعملون على فرض قانونهم على المؤسسات، سيكون من الضروري الاهتمام بمسارهم الشخصي عبر المتاهة الاجتماعية، ومن خلال المجتمع المدرسي على الخصوص([2]). حينها يلتقي علمُ الاجتماع البيداغوجيةَ، التي تركز نظرها غريزيا على الأسفل، حيث يكون السلوك جزءا من مسار اجتماعي قد يكون هذا أو ذاك، خطيا أو متفرعا بشكل مباغت: يكون على العلم الاجتماعي أن يستخلص منها النتائج، حتى وإن بقيت هذه مهددة بالاعتباطية الفردية.

 

الثقافة والبيداغوجية

مساهمة أعمال جون كلود فوركين الأكثر أهمية تجد ينابعها، فيما يبدو لي، وكما هو الحال دوما بالنسبة للأكاديميين الذين قضوا سنوات في تعميق البحث في موضوع بعينه، ضمن مؤلف مستلهم مباشرة من أطروحته، وهو الذي يلهم هذه الندوة بعنوانها: المدرسة والثقافة. سأعود إليه بشكل منتظم، ولا يمكنني عدُّ عدد الطلبة الذين يجدون في قراءته قاعدة صلبة في التفكير.

ما يثير، على وجه التحديد، اهتمام الفيلسوف أكثر، إضافةً إلى التحليلات الدقيقة والوثيقة الصلة لمواقف علماء الاجتماع البريطانيين، هو تلك الاعتبارات النهائية المتعلقة بالعلاقات بين البيداغوجية وعلم الاجتماع والثقافة. يقف فوركين على مسافة من ال«العقل الاجتماعي» وال«عقل البيداغوجي»، مع حرصه على التدقيق بينها. يقول عن العقل الاجتماعي «أنه يتوجه كلية إلى وصف، وتفسير الظواهر وجعلها موضوعية. الحتمية منبعها التجريبي، النسبية ميلها الطبيعي، والتشدد النظري فضيلتها». ويضيف «على العكس من ذلك، العقل البيداغوجي هو بالأساس معياري وتوجيهي prescriptive، والشمولية ميله الطبيعي (...) افتراضه الطبيعي نوع من المثالية العملية». إن كان علم الاجتماع لا يهتم بالقيم، إلا في حال اختزالها في وقائع قابلة للوصف، فمفهوم التربية، من جانبه، لا ينفصل هيكليا - «فينومينوليجيا» كما يؤكد فوركين- عن مفهوم القيمة، فهو لا ينفصم عن النظام والمقياس القيمي. إنه توجيهي. علما أن الوصفي و التوجيهي لا يمكنهما التعايش. ويستخلص زميلنا أن «لهذا السبب يشكل التعاون بين علم الاجتماع و البيداغوجية موضوع نزاع دائم وميدان سوء فهم دائم»  (p. 185).

لا يسعنا إلا أن نربط، ونقابل، نتائج سوء الفهم هذا بتحاليل مواقف علماء الاجتماع البريطانيين التي تشكل مادة هذا المؤلَّف. فما يُتفق على تسميته بال«إمبريقية الانجليزية» إنما هي تسبح في نفس الحركية، على أساس الاعتراف بأسبقية الواقع على الفكر، و بالتحاليل العلمية، الدقيقة والصارمة في نفس الوقت، للمواقف الاجتماعية المعطاة، أو بإعطاء قيمة للقيم التي يتم تفعيلها خلال البحث عما هو مبحوث عنه في الواقع. وحتى في حالة رغبتها أن تكون نقدية، كما هو الحال في ال«علم الاجتماع التربوي الجديد»، وأن تعمل على الأخذ بعين الاعتبار الافتراضات الايديولوجية المتضمنة للعمليات والإجراءات المدرسية، فإن هذه المقاربة لا تبلغ مستوى قلب أسبقية الواقع على الفكر. إننا، وباعتبارنا حبيسي النظرية الديكارتية، قد نتفهم انبهارنا بطريقة العمل هاته التي تطرح المسألة المحلولة من حيث المبدأ حتى قبل أن يتم طرحها نظريا (مع صعوبة ألاَّ تغادر، بالنسبة لنا، النظرية...). لكننا لا نعيد بناء أنفسنا من الناحية الثقافية: ففي بلدنا الحبيب فرنسا، العلاقة بين علم الاجتماع والبيداغوجية لا يمكن إلا أن تكون «مأساوية» محكوم عليها بسوء الفهم([3]).

لربما أننا في هذا ورثة الجيل الثقافي الثالث، أقصد: ذاك الذي، ابتداءً من كانط والمثالية الألمانية، قد شكّل طريقتنا في التفكير الحديث، وبالطريقة الأكثر منهجية. «سوء الفهم الدائم» الذي يشير إليه جون كلود فوركين إنما يحيل في العمق، لدى فيلسوف كونيسبورغ  Kônigsberg، إلى وضعية الحرية في علاقتها بالطبيعة. هذا لأننا نكتشف أنفسنا ككائنات متجذرة جيدا في الطبيعة، لكن قادرة كذلك على أخذ نصيب من الحرية للتفكير في معنى لا يدين لها بشيء: تعتمد التربية تحديدا على هذه القوة التي نتمتع بها من خلال حريتنا. الإنسان، بإعادة استعمال عبارة من نقد العقل العملي، كائن «متعقل ومحدود»: محدود لكونه خاضع تماما لآلية الطبيعة ومحدد بواسطة المسببات التي تؤثر فيه (ما سبّب في ظهور العلوم الانسانية)؛ لكنه، لكونه متعقل، قادر على التفكير في معنىً في حد ذاته يرضيه تماما (مما يترك مجالا للفلسفة). بهذا تتسع هوةٌ، يبدو من الممتنع التغلب عليها، بين المجال الطبيعي (القابل للتطبيع الاجتماعي socialisée) ومجال الحرية. يبقى على هذه الحرية، إن رغبت في التحقق، أن تجد بالضرورة مسارا، لا يمكنها أن تجده سوى في الطبيعة وفي متغيراتها الاجتماعية. فإذا رغب الإنسان في التأثير عليها بغية أنْسنتها – وهو يتصرف في الواقع في هذا الاتجاه، فهو يربي بالفعل-، فمن المهم أن يكون الواقع إلى حدود معينة قد تمت صياغته بواسطة الحرية([4]). و، كما يؤكد إيريك فايل Eric Weil،  فقط إلى حدود معينة، وإلا فإن الحرية، التي يمكن اختزالها في وقائع نهائية، ستصبح غير معقولة.

ينطلق زملاؤنا البريطانيون من أن الحرية متحققةٌ في المجتمع، وأن هذا الأخير يكتمل بفعل الحرية: لذلك لا يمكن أن يكون النقد جذريا، بل عليه أن يَقنع بالمصاحبة، النقدية بكل تأكيد، لعمليةٍ تنتمي للحرية الفاعلة؛ لم يكن التفكيك يعني بالنسبة إليهم أن الأمور لا يمكن أن «تنجح». ولأننا ورثة التقليد الألماني، فإننا أكثر تطرفا منهم: إن كانت الحرية ملزمة أن تجد سبيلها في الطبيعة، فهذا ال«الإلزام» ليس من مرتبة الضرورة الفيزيائية، إذ يتم التركيز عليه من طرف إرادة يجب عليها بطريقة أو بأخرى إخضاع الواقع. ومن هنا تأتي نزعتنا الإرادوية volontarisme، «الجمهورية» عن طواعية.

إنه من الأهمية بمكان، في هذه المرحلة من مقاربتنا المقارنة، تعميق النظر في تحاليل الفكر الأنجلوساكسوني التي يعرض علينا جون كلود فوركين، سواء تعلق الأمر بحقل السوسيولوجية أو بالفلسفة، وأيضا تعميق النظر في مفهوم Bildung، المركزي في الفكر الألماني، والذي قد يجد له ترجمة في عبارة «ثقافة». أصوله بعيدة، دينية وذات مسحة صوفية لدى جاكوب بوهم Jakob Bôhme؛ و هردر قد « أوضحه»، أي علْمنه في القرن الثمن عشر؛ وسيتطور أكثر مع هيجل و، خاصة، مع ويلهايم فون هومدولت، مؤسس الجامعة الألمانية؛ ثم إنه سيولِّد تيارا بأكمله من الثقافة البيداغوجية Kulturpàdagogik التي، بفضل مفكرين كإيدوارد سبرانجر وثيودور لِيتْ، سيجمع في نفس الحركة تطور َالطبيعة، وتطور المجتمع، وإشاعةَ الحرية ومعنى التربية([5]).

إلا أن هذا الاحتفال، ذا الطابع المسيحي أولا، ثم الإنساني ثانيا، للـتثقيف لم يمر دون مشاكل أو مُساءلة بدءا من حقبة معينة وسياق محدد. بدأ التشكيك في مزايا الثقافة من خلال ملاحظة أنها، لدى الشعب الأكثر موهبة فكريا في أوروبا، قد رافقت وساندت العمل الأكثر وحشية وأكثره تنظيما: إذ لم يتوقف النهج النقدي لمدرسة فرانكفورت عن الدوران حول ثقب العدمية التي بُدِئ في حفرها في قلب التثقيف Bildung. بتعبير صريح: هل يمكننا، بعد أوشويتز، التفلسف (والتربية) كما كان عليه الأمر من قبل بشأن هذا النفي المخطط للإنسان من خلال استئصال واحد من جذوره الثقافية؟...

إنها من دون شك المناسبة السانحة لتذكُّر جملة كانط التي نجدها في هوامش الدروس التي نشرت بعنوان Ûber Pàdagogik (المترجم ب: تأملات في التربية): «يمكن لإنسانٍ أن يكون شديد التكوين جسديا (gebildet)، وتفكيره مُجلَّلا بشكل كبير؛ كما يمكنه أن يكون ضعيف التكوين العقلي، ورجلا شريرا» ( ترجمه إلى الفرنسية Philonenko, Vrin, p. 109). روسو، ذاك الذي كتب خطاب عن العلوم والفنون، والذي كتب أيضا إيميل الذي رجع إليه كانط وهو يكتب هوامشه، روسو ذاك ليس بعيدا عن هذا المعنى: لابد من التمييز الجذري بين  نظام العقل، وعالم القيم، وبين النظام الطبيعي والوقائع الاجتماعية. فالأول يستدعي الحرية، والبحث عن الهدف، والنِّية واتخاذ القرار؛ الثاني يفترض حتمية الوقائع، ويعتمد على الأسباب، ويسعى إلى استتباب القوانين العامة.

كيف تتموقع الثقافة الآن بالعلاقة مع هذين العالمين؟ قد سيكون مغريا تحويلها إلى مفهوم تركيبي تلتقي فيه الواقعة الاجتماعية والمعنى الذي يقيمه الإنسان عن نفسه، كنوع من الأفق الفلسفي غير القابل للتجاوز. هذا ليس بخاطئ، طالما أن الموضوع الثقافي، على غرار الموضوع الجمالي، ناقل لهذه الغاية التي تسمح للإنسان بالعيش لا كوحش، وإنما يشيد وجودا له معنى يتجاوز بذلك مكونات هذا العالم. فقراءة مسرحية لراسين، ليست فقط عملية تجميع لسلسلة من الكلمات، بل هي، من خلال تلك الكلمات، انضمام للإنسان السامي المستلهم من خلال السؤال: «إلى أين يسير الإنسان؟»، ونعيش لحظتها متعة جمالية. لاشك في أن الثقافة ناقلة للقيم، وأنها ليست مجرد قيمة إنسانية يتم تشكيلها فحسب. هل يمكننا التوقف عند هذا الحد وإقامة شمولية أخلاقية، إقامة أخلاق كونية على هذه المواضيع الثقافية؟ ذلك لأن هذا هو المبحوث عنه، وعلى هذا يؤكد جون كلود فوركين لدرجة الهوس: ما الطريقة التي تجنبنا النسبية الثقافية في التعليم؟ هل من الممكن أن نتوقع من السلطة –ونقصد الدولة، بعد الكنيسة- أن تحدد ما يستحق أن يُدرّس؟

المسألة محفوفة بالمخاطر، لأن هذه الضريبة الثقافية لا تقدم أي ضمانة على العالمية. من يقرر بالفعل في القيم، وباسم من؟ و ماذا عن القيم الكاثوليكية حينما تضم مدرسةٌ تتبناها أكثر من 80% من الأطفال المسلمين؟ هل مازالت الدولة تتمتع بسلطة الإدماج كما كانت زمن «فرسان»ـها؟ الخبراء كلهم متفقون أن الجمهورية، وإلى يومنا هذا،  لن تقوم بتقزيم بدور المربي ... وحتى إن رغبت في ذلك، فلن يكون لها لذلك سبيلا. –وهي أكثر من ذلك أقل قدرة على التخليق بواسطة مواضيع ثقافية متداخلة: وقد برهن أَلَانْ بشكل رائع عن فشل المحاولتين ال «علميتين» الكبيرتين اللتين تدْخُلان في هذا الإطار: محاولة دوركهايم ومحاولة كونت([6]). هي فرصة أخرى لنا لاستحضار قولة كانط، والأخذ بعين الاعتبار تجسيدها الرهيب في حالة المحرقة: فالمجتمع البشري الأفضل تكوينا، الذي أعطى باخ وهيجل وغوته يمكنه في أي لحظة استعمال هذه الثقافة لارتكاب الجرائم الإنسانية. علينا أن لا نقول أنها مصادفة تاريخية: أن الشيء نفسه الذي وقع بشكل مصغر في كوسوفو، لا ينقص شيئا من النوايا الخبيثة لدى الإنسان...

هذا يعني أن لا الثقافة، ولا حتى « القيم» هي التي تصنع الإنسان. إن كانت تشكل الممر الضروري نحو الأنسنة، فإنها لا تقدم الضمانة الموضوعية لذلك، بل هي أبعد من ذلك: لا تزال هناك حاجة للاستفسار عما سيفعل بها الإنسان، وبالإرادة التي سيستخدمها في إخضاعها لخدمة نية خيرة أو لمشروع شرير. نعرف، في ودوائرنا الأكاديمية، أن سمو المعرفة لا تقدم أية ضمانة عن الأخلاق الإنسانية وصدقها، وأنها غالبا ما تبيح مضاعفة الحيل الشريرة في أكثر العلاقات بساطة، حيث ننتظر... شيئا من الإنسانية. هذا يجعلني متشككا في خطابات ال«قيم»، وفيما تسميه ب«العودة» (هل كان بإمكاننا على الأقل العيش دون قيم؟) وخدمتها لفضاء موضوعي: ما يهمني أكثر هو ما يفعله الإنسان الماثل أمامي بقيمه في فعله الواقعي، و، أكثر من ذلك، في صفاء نيته (والتي لا يمكنني بطبيعة الحال اختراقها بشكل كلي، ومع ذلك...).

إننا هنا أمام منهج كانط في نقد الحكم: إن الموضوع الثقافي، الذي تولّد عن الحرية بكل تأكيد، لايزال يترك مسألة استخدامه مفتوحة بهدف تحقيق الحرية الحقيقية في الإنسان وتحقيق كرامته. يمكن لهذا الموضوع أن يُعزِّز، لكن أيضا يُقيِّد، الحرية: إذ يبقى متضاربا فيما يتعلق بالنوايا الإنسانية. وفي هذا من الممكن تقديم براهين تاريخية ويومية على ذلك.

الحال أن لكلٍّ نيته. فهل نفْلت بذلك من النسبية، وشيوعها من خلال الثقافة وإنتاجاتها؟ هل لايزال للمدرسة من معنى؟ هل لايزال للتعليم مبررات وجوده؟

 

البيداغوجية والنسبية الثقافية

لكون  جون كلود فوركين بارمنيديا أكثر منه هيراقليطيا، فقد ظل منشغلا بكيفية جعلِ المدرسة تتخلص من النسبية الثقافية والأخلاقية مما قد تسبب في جعل مشروعه لا يتصف بالمعقولية. إن أُعجب وعمل على مقاسمتنا انجازات «علم الاجتماع الجديد»، فذلك لفتح نقاش حول النسبية الابستيمولوجية التي تقوم عليها؛ ال«انثروبولوجية»، التي تكون التطبيقية بكل تأكيد حين تكون هناك رغبة في إنتاج هذا الخليط المشبوه في حقيقته ومعناه الذي يستغني عن بلوغ عمق التساؤل الفلسفي، هي انثروبولوجية تجعله غير مقتنع مادام أنه لم يحسم بين النسبية والشمولية، ولم يقدم عنها تركيبا جد مبسط. وإن يقر، في سياق المجتمعات المعاصرة المتعددة الثقافات، بعجز المدرسة تماما عن نكران تنوع العموم المعهود لها، فإنه يفترض -«بسبب الافتقار إلى الحجج العلمية أو المنطقية الحاسمة التي تمكن من القطع "في العمق" في النزاع حول النسبية»- أنها لا يمكنها سوى اختيار الشمولية إن رغبت الاحتفاظ على تماسكها، وأن هذا الاختيار «كفلسفة تبريرية للتعليم يبقى مقبولا، على عكس الاختيار المعاكس الذي يستبعد التعليم». ثم يخلص بحذر: «لكن هل الجميع مطالب بالتدريس؟»([7]).

الإجابة بكل تأكيد مقنعة من الناحية الفكرية، لكنها تترك المربي الممارس في حيرة كبيرة: إن كان ضروريا السعي إلى «التأكيد، سواء على صعيد المحتويات وعلى صعيد الإجراءات التدريسيين، على ما هو أكثر عمقا، والأكثر ثباتا والأكثر ترسخا في المظاهر الثقافية الإنسانية»([8])، فما هو إذن معيار هذا «العمق»، وهذا «الثبات»، وهذا «الرسوخ» الذي سيسمح به للتصرف وفقا له؟ ألا يتم إحالتنا على الإنتاجات الفعلية للثقافة الإنسانية، علما أنها، باعتبارها حاملة لكل القيم الممكنة، مكمن المشكلة بالضبط؟ أم علينا انتظار أصبعٍ علويٍ يشير بسلطوية إلى ما له قيمة، وأن يكتبه أساتذة المدارس على السبورة في الصباح، كما فعل الله على ألواح موسى؟ سيكون الجواب بنعم، إن نحن تأكدنا من أن الفاعل هو الله. الحال أن المطلب الديموقراطي قد أصبح يتمثل في مطالبة ال«رعايا» بأن يشكلوا جزءا مشاركا في هذه «العملية التخليقية» الجديدة، خصوصا إن كان من الضروري قبول انعدام وجود توافق اجتماعي في هذا المجال. من هنا هل سيكون لكل واحد، ولكل مجموعة أخلاقها؟ إننا نلف كآلة الغزْل.

إن كان من اللازم أن يكون للفعل البيداغوجي معنى، فلابد أن يكون هناك جوابا نظريا على المشكل المطروح، عوض أن نسهب الحديث عن مأساة الوضع البيداغوجي. يتعلق الأمر بالذهاب أبعد من الحديث عما هو تجريبي، الذي يحيلنا على النسبية، ومن الحديث عما هو متعالي، الذي يطمح بنا نحو الشمولية، وذلك بالتموضع في القول البيداغوجي. دعوني أُوضّح الفكرة.

يبدو لي، بادئ ذي بدء، أن الإحالة على المحتوى الثقافي من حيث هو كذلك –بالنسبة للمعارف- لا تشكل حلا بالنسبة لمشكلنا, هذه المحتويات هي على وجه التحديد مربط النسبية التي تهمنا، بقدر ما تظل مرتبطة بالتاريخ، بالسياقات القومية، والإثنولوجية، والدينية، والآن أيضا، وفي مجتمعاتنا المتمددة، وبخصوصيات الأجيال، وظواهر الجمعاتية، والتصورات المابعد حداثية. ليس لأن هذه المحتويات غير معقولة ولا قيمة لها، إنما لأنها لتشكل قاعدة إلى حد ما صلبة للمشكل المطروح. لم يعد بإمكان الكوني إيجاد الدعم في العقلانية القائمة، الراسخة بشكل مؤسساتي، التي تعترض عليها جميع الأطراف.

من الممكن جدا أن تتأسس على الإرادة، أقصد: على هذا لنهج الإنساني بوجه خاص الذي يسعى، إلى جانب جميع المضامين الممكنة، إلى العالمية المتحررة كشكل من اكتمال الإنسان. ويظل العقل الكوني هو المرجع، لكن، بتجنب لإملاء المضامين، أصبح من لحظته المشرِّع لمسألة تخضع لمحدداته الخاصة ويحافظ على ترسيخها في الخصوصية. بذلك يعزز كل من التجريبية والترنسندنتالية كل منهما الأخرى، على غرار المادة والشكل لأرسطو، علما أن هذه الأخيرة تظل المحرك الفعلي لبناء الإنساني، لكن لا يزال عليها على الدوام الاعتماد على جانب خارجي هو في حد ذاته له وجود سابق عليها في الواقع.

إنها لحقيقة أن الفكر الفرنسي، المؤسس على قرنين من النزعة الوضعية، قد يواجع صعوبة كبيرة في تصور هذه الشكلية للعقل العملي. يتم اتهامه على أنه «مجرد»، مضمونه فارغ (وهو كذلك بالفعل)، وبالتالي فهو غير فعال حين يتعلق الأمر بالتحرك بال«ملموس»؛ فنحن نبحث عن المذنب في السماء... ومرة أخرى يتم باندفاع محاولة جعل ال«صرامة الكانطية» موضوعية ضمن «أخلاق الواجب» التي تعيد تثبيت سلطة مُعلمنة وتتجاهل الحرية، والتي تعد محور التأمل فيلسوف كونيجسبيرج... هل يجب التذكير هنا أن الأفكار الأخلاقية لا حقيقة إيجابية لها، وأنه انطلاقا من نفي الظلم الذي عانى منه الإنسان وخبره يشرع في التفكير في فكرة العدالة، وأن هذه، حتى لا تكون جزءا من هذا العالم ولا تجد به تجسيدا ملموسا وحاسما، ليست أقل نشاطا في السلوكات الإنسانية!...([9]).

ماذا عن البيداغوجية؟ من ناحية، هناك ذات مدعوة إلى الكونية ومدفوعة إلى أن تُبنى بحرية، أن «يكون نتاجا عن نفسه» ووفق الصيغة العزيزة على بيستالوزي. هناك من جهة أخرى الموروثات الثقافية بأكملها بناها المجتمع عبر تاريخه والتي، على غرار «العوالم الملموسة»، من المفترض فيها أن تعزز هذا الولوج إلى الكونية. ومن جانب ثالث هناك المدرس المكلف بنقل هذه الموروثات. ينشأ المشكل من حيث أن الـتربيةeducandus لا تتم فارغة من هذه الموروثات: تكون مسلحة بقيمها الخاصة التي تم بناؤها خارج المدرسة، ببساطة من خلال تجربتها اليومية، خصوصا مدفوعة بحرية تسعى إلى إيجاد أكثر من معنى فيما مقترح عليها أكثر مما تمتلكه بالفعل. وبالتالي لا يمكن فرض الموروث الثقافي، حتى وإن كان ضخما، كموروث بديهي، لا يمكننا التذرع بأي سلطة كيفما كانت، بما فيها سلطة التقليد (لل«شيوخ»)، لجعله مهضوما؛ على هذا الموروث أن يقدم براهينه، أن يجيب على سؤال إيميل الصائب المقدم خلال درس الفلك: «ما الفائدة منه؟». هذا السؤال، الذي سريعا ما يختزل الاهتمام النفعي، يعكس التطلع إلى معرفة يرى الطرف المهتم فيه معنى ويساهم في جعله كونيا بشكل حقيقي، أي: يفتح له إمكانية الكونية هو جزء منها، بشكل حر، وليس فقط فرضا سلطويا بسيطا.

إن الموروث الثقافي في عملية تحويله إلى كوني ليس إذن سوى وسيط. وهو لا يساهم في كمال الطرف المهتم(!) إلا بمقدار الحرية التي يستثمر فيه. وعليه وجب خوض معركة الحرية هذه: إذ الموروث الثقافي الذي يراه الراشد «قيِّما» يتم الطعن فيه باسم موروث يرتبط به الشاب –الراب في مواجهة سنفونية لبتهوفن-، لكن دون التوقف عن العمل بحزم على أساس مبدأ لا يتزعزع للحرية، على أمل أن يقتنع الشاب أن سمفونية تفيده (من وجهة نظر خاصة، وليس بالضرورة بشكل مطلق) أكثر من أغنية للراب؛ يجب أيضا قبول الطعن في الموروث الثقافي وسط القسم من طرف إيميل جديد له تصورات «قوية»، مما يجعل المدرس مطلوبا لتبرير صحة ما يعرضه؛ أما إذا لزم الأمر، فسيتعلق الأمر بضرورة رفضٍ كلي لهذا الموروث والكل النظام الذي يدعو له: إنه أحد مصادر العنف المدرسي، الأكثر تأصلا من دون شك، مما يدل على أن المدرسة قد فقدت، في الواقع، بشكل كلي معناها في عيون المستفيدين منها، وأن الأمر يتعلق بإعادة البحث عن هذا المعنى بشكل يخالف إرسال الشرطة لاستتباب الأمن. فالثقافة المدرسية هي التي يجب إعادة بنائها في إطار العلاقة المتجددة بالمعرفة التي تؤسسها، ولا تشكل نهايتها.

إنها الوضعية كما هي، غير مريحة بالتأكيد، لكن لها تماسكها بالنظر إلى مشروع استكمال الحرية المعقولة التي تدفع بالإنسان، كل انسان، إلى الإمام. هذا يعني أن علينا، رغم الصعاب، إيجاد الطريق الذي يسمح بهذا التقدم نحو تحقيق الأفضل للإنسانية، سبيل تكريم عرقنا، وقبل كل شيء الاقتناع بأن جل غير المتعلمين من الناس، وأن جل النافرين من التثاقف المدرسي يظلون مبهورين تجاه التطلع نحو الكونية، وأن علينا تلمس بذرته، رعايته بالعمل انطلاقا مما هو في حد ذاته بمعنى ما ينبغي أن يكونه. مما يعني ضرورة تطبيق البيداغوجية. يعني أيضا تجسيد هذا التطبيق في إرادة لخدمة الآخر كي يظل غير قابل للتغيير رغم كل التغييرات الثقافية، دون إغفال مطلب الكونية الذي يجب أن ينمو مع كل واحد على حدة، وينو بكل حرية. وبهذا لا يمكن للبيداغوجي، من وجهة نظر الكونية، أن يقتصد فيما يؤمن به.

 

البيداغوجية الأخلاقية

بهذا يقودنا تفكيرنا بالملموس إلى الأخلاق. ليس مستغربا أن جون كلود فوركين، وهو يطرح مسألة النسبية الثقافية والمسألة التعليمية، يطرح مسألة التربية الخلقية بالمدرسة. الملخص الذي نشره حول هذا الموضوع سنة 1993 في العدد 102 من المجلة الفرنسية للبيداغوجية لايزال، بالنسبة التي يشير إليها، نموذجا تحليليا، موثقا بشكل جيد، الذي يستعيد بدقة وبراعة مساهمات دوركهايم، وبياجيه، وكوهلبيرغ، وأيضا مساهمات المفكرين البريطانيين والأمريكيين، حول مسألة التربية الخلقية، التي لم ننه النقاش حولها إلى يومنا هذا.

لا يتهرب زميلنا، على الرغم من كل هذه التحاليل، من التساؤل الفلسفي الحاسم. فحين يكتب عن كوهلبرغ أنه «يبدو، كما هو الحال بالنسبة لبياجيه، أنه يستبعد فرضية الوقاحة، فرضية اللأخلاق الواضحة والذكية، فرضية الإرادة السيئة» وأنهما كلاهما لا يعتقدان فيما يسميه كانط «الشر المتجذر» (p. 89). أضف إلى ذلك أن استيعابه الواسع للفلسفة الأنجلوساكسونية لم يحول دون تعميق البحث في «اختلاف في الطبيعة» -إلى درجة الحديث عن «قطيعة جذرية»- بين المكون الفكري والمكون العملي: وينتهي بالتساؤل «هل علي بالفعل عمل ما يتوجب علي فعله؟» (p. 94)، وبهذا يمكنه القيام بالتمييز الدلالي الذي مكن كانط من أن يكون مفكر الأخلاق: التمييز الذي يفرق بين مطلب  sollen الالتزام الأخلاقي و الواجب mûssen ذات العلاقة بالضرورة الفيزيائية. ويختتم فوركين مقالته ب«التعبير عن قلق حيال إمكانية تأسيس كلي لأخلاق وتربية أخلاقية على أساس العقل». على العكس من ذلك، يتابع، «تجربة الفصل المحتمل بين الأخلاق والذكاء العقلي يفرض نفسه علينا بشكل يومي». لذا «على الأقل تنفتح أمامنا الآن إمكانية الاعتراف بوجود توتر لا يقاوم بين ال"أنظمة"» (p. 97).

ثمة سؤال أتجرأ على طرحه على محرر المجلة الفرنسية للبيداغوجية: بأي طريقة لا يكون الفعل البيداغوجي كيفية لإمكانية تقليص الفجوة بين مستوى الوقائع، التي يهتم بها كل من دوركهايم، وبياجيه وكوهلبورغ، ومستوى الحس الأخلاقي، الذي لا علاقة له بالتأكيد بهذه المسارات المعرفية؟ من المفيد جدا معرفة المسارات السيكولوجية، والنفسية الاجتماعية، والتحليل نفسية التي ينبني بمقتضاها الوعي الأخلاقي للطفل. كما أنه بالأهمية بمكان معرفة أن هذا الوعي لا يتأتى نتيجة نمو معرفي أو غيره، وأن ينفجر في أي لحظة ويقاطع كل المحددات، وأن التطورات الأخلاقية الأفضل دراسة لن تحول أبدا دون قيام الفرد بالشر حين يقرره... فالبيداغوجية الأخلاقية هي الكفيلة بتوجيه هذه الحركة المزدوجة.

لكن لا يمكن للبيداغوجية أن تقوم بذلك إلا بالـتفكير في براديغيمها الخاص، متخذة بشكل متزامن مسافة من حركة الطبيعية (محاولات ال«تربية الطبيعية» في الأخلاق قد اعتادت التلبد بغيوم المتناقضات)، ومن الحركة الاجتماعية (محاولات تقليص التربية الخلقية في تنشئة اجتماعية لم تعد واعدة وذات مستقبل). فالمشروع البيداغوجي، وحتى يترسخ في الطبيعة الإنسانية ويستفيد من التنمية الاجتماعية لهذه الطبيعة، مبني على تناقض غير قابل للاختزال بين الطبيعة والمجتمع في صلب الإنسان.

هذا يعني أن فكرة هذا البراديغم تدعو إلى مقاربة فلسفية محددة، لا تسقط ضحية طبيعانية من خلال جميع صورها الرمزية، ولا ضحية نزعة ما فوق طبيعية تسبح بنا في سماء من الأفكار تعلو على «وحل هذا العالم». فبإدارة الظهر لجميع الأنطولوجيات، تكون الفلسفة المدعوة من طرف البيداغوجية تفكيرا في أن يصير الإنسان حرا.               

   

 



المصدر

Soëtard Michel. L'École entre sociologie, culture et philosophie : la chance de la pédagogie. In: Revue française de pédagogie, volume 135, 2001. Culture et éducation: Colloque en hommage à Jean-Claude Forquin. pp. 117-124;

الهوامش

[1] - من الواضح أن هذا النقاش قد يتجاوز، في أية لحظة، الحدود التي رسمها الواضع لها. هذا يعني أن زميلنا، إن كان يمكنه التعرف على نفسه عند استعادته لتحليلاته، له الحق تماما في أن يرفض التفسيرات الموسعة التي قمت بها بنِيةٍ لا توافق بالضرورة تفسيراته. وكما كتب روسو في مقدمة كتابه إيميل متوجها للآباء والأمهات الذين رغبوا في أن توافق النظرية المعروضة إرادتهم من خلال تأكيد ممارساتهم: «هل يجب أن أستجيب لإرادتكم؟»   

[2] - Cf. F. Dubet et D. Martuccelli : Dans quelle société vivons-nous? Seuil, 1998.

[3] - في هذه الأثناء، يتساءل فوركين بإلحاح، فيما يتعلق بفلسفة التربية البريطانية منذ 1960، إن «لم تكن، من بعد صناعة مفاهيم حرة التكوين تفلت بطبيعتها، نظرا لعدم وقوعها في التناقض، من كل مراقبة وكل نقد، قادرةً على حذف سبب وجود المناقشة الفلسفية» ((« La philosophie de l'éducation en Grande-Bretagne : orientations et principaux apports depuis 1960 »,Revue française de pédagogie, n° 89, 1989, p. 77)

[4] - سنقدر جدلية الفيلسوف الألماني: «على الرغم من أن هوة، لا يمكن بالعين المجردة تخطيها، تثبت بين مجال مفهوم الطبيعة باعتباره حساس، ومجال مفهوم الحرية باعتباره جد حساس... تماما كما لو كان يتعلق بعالمين مختلفين بحيث لا يؤثر الأول في الثاني: على الأقل يجب على الثاني (soil، يؤكد كانط) أن يؤثر في الأول... ويتوجب (muss) بالتالي أن يتم التفكير في الطبيعة بطريقة تجعل شرعيتة (Gesetzmassigkeit) شكلها تتلاءم على الأقل مع إمكانية تحقيق أهدافها التي عليها، بحسب قوانين الحرية، أن تتحقق فيها. إذن لابد أن يكون هناك أساس للوحدة بين ما فوق المحسوس الموجود في قعر الطبيعة وما يتضمنه، من وجهة نظره العملية، مفهوم الحرية، وهو الأساس الذي إن لم يبلغ المفهوم، لا نظريا ولا عمليا، إلى معرفة... سيجعل من الممكن على الأقل مرور طريقة التفكير بحسب مبدأ الواحد إلى طريقة (تفكير) مبادئ الآخر» (Critique du Jugement, Introduction, cité par Eric Weil in Problèmes kantiens, Vnn, 1974, p. 65-66).

[5] - لتتبع تاريخ تطور هذا المفهوم بأشمله وصوره الرمزية، يمكننا الرجوع إلى مؤلف Mario Gennari, Storia delle Bildung, La Scuola, 1995.

[6] - La science n'éduquera pas. Comte, Durkheim, le modèle introuvable, Peter Lang, Coll. Exploration, 1988.

[7] - « Justification de l'enseignement et relativisme culturel », Revue française de pédagogie, n° 97, p. 25-26.

[8] - Ibid.

[9] - إيريك وايل، في كتابه الفلسفة الأخلاقية (Vnn, 1961, I. Le concept de morale)، يشدد بكل وضوح على قوة هذه الأخلاق «ذات الصلاحية الكونية (الخالصة)»، « الشكلية والسلبية»، والتي «يتمثل قانونها الوحيد في احترام الحرية المعقولة (للكونية) لدى كل كائن إنساني»، لكن تبقى خاصة بذات «هي بالأساس محدودة ومستوعبة كما هي»: «الانسان بذلك هو رغبة في أن يصير كونيا. ما يميزه هو كونه لا طبيعة له كما هي الأشياء، أنه يتجاوز كل طبع معطى، وما يجده في ذاته كواقع، وبنية، وعزيمة لا يعد بالنسبة له سوى نقطة انطلاقة لتحول نحو كونية لن تكون إلا شمولية. كما أنه لا يملك الحقيقة ولا الفضيلة، إنه يبحث عنهما، وهو ليس بالكوني، هو يسعى لأن يكونه. إنه قادر على اللامتناهي، لكنه في كل لحظة من لحظات وجوده، أقصد من وضعه ككائن محدود، هو قادر فقط على ذلك» (p. 41-42).  

تعليقات