ميشيل دوفيلاي
إقرأ: ما هو فعل التفلسف؟
بيداغوجيا
المعنى
ميشيل دوفيلاي
تنصب
مداخلتي على الإجابة على ثلاثة أسئلة متتابعة:
-
لماذا تعدُّ مسألة المعنى اليوم، في استقلال عن
بيداغوجية المعنى، مسألة جديدة؟
-
ما الدلالة التي نعطيها لكلمة المعنى؟
-
ما المقصود ببيداغوجية المعنى؟
ما
أود تبيينه وتقديمه بشكل جد سريع حتى تفهموا بشكل جيد وجهة نظري فيما بعد، هو ألّا
شيء له معنى في حد ذاته. تشاركون في ندوة، في عرض ليس لهما أي معنى. هذه المداخلة
لا معنى لها. فالمعنى لا يكمن في الوضعيات، ولا كامن في الأحداث. إننا نعطي أو لا
نعطي معنى للوضعيات التي نحياها. لا شيء أكثر غنى في معناه من أُخَر. فالمعنى يبرز
من خلال التفاعل الدي يقيمه الفرد مع السياق الذي يتحرك فيه.
سأحاول
بعد ذلك أن أبين أن المعنى ليس فقط في التفاعل لكنه مرتبط أيضا بالزمانية. فالمعنى
متضمن في علاقة الفرد بزمانه السيكولوجي.
السؤال
هو هل ستعطون أم لا معنىً لهذا المؤتمر ولهذه الندوة؟
ظهور مسألة المعنى
لماذا
ظهرت مسألة المعنى هذه اليوم بإلحاح (يكفي القيام بجرد للعناوين المنشورة مؤخرا
للاقتناع بذلك) وفي أي ظروف؟
نتطارح
مسألة المعنى حين نحس ببعض الضياع. إن يتم طرح مسألة المعنى اليوم، فلأن المجتمع،
من دون شك، يبحث عن معايير جديدة. فهذه تتلاشى، مثلا، من حيث القيمة الممنوحة
للعمل، باعتبار أن مجتمعنا بأكمله مؤسس على قيمة العمل. إن أول أمر قمتم به منذ
قليل، سيدتي الرئيسة، تمثل في تقديمي بحسب صفتي المهنية، وإعلان هويتي المهنية. ما
الذي سيبقى بأيدينا، حين يفتقد العمل، كي يعرِّف كل منا شخصيته؟ إذ حين تختفي
الهوية المهنية، وتتأرجح الهوية الشخصية. في مجتمعنا الذي يشكل فيه العمل أكثر
فأكثر معطى تزيد نذرته، تنقلب معايير الهوية، كما أن فقدان العمل لا يساعد على
التطور بواسطة الهِوايات، أو بفضل أوقات فراغ غير مكلفة، كالتأمل.
عرفت
العائلة، من حيث هي قيمة، شرخا واسعا على نطاق واسع. يزداد عدد العائلات ذات الوالي
الواحد monoparentale، بل إن ألانْ تورين Alain TOURAINE يستشهد بأطفال الذين هم دون هوية تعريفية. ينفصل الآباء بعد ولادة
الطفل، فتذهب الأم لتعيش مع رجل آخر. بعد مدة معينة، ينفصل هذا الزوج الجديد وفي
نهاية المطاف يجد الطفل نفسه مع رجل (شريك والدته السابق) وامرأة جديدة، لا أحد
منهما هو عائل الطفل. لن يعرف بعد ذلك لا من هو أبوه ولا من هي أمه. تختل المعايير
على مستوى العائلة، ويمكن قول نفس الشيء فيما يخص الدين، عن الحياة المجتمعية،
والالتزامات النشطة.
من
جهتها تتحرك ضوابط الزمان والمكان كثيرا. إننا في مجتمعٍ كان إلى زمن قريب يتفكّر
في الديمومة وأصبح شيئا فشيئا مع " التغير السريع في المواقع zapping" يتفكّر
في اللحظة الراهنة. إننا نتأرجح باستمرار بين اللحظة والديمومة. في المدرسة نقول
للأطفال «انتظر، سترى حين تكبر فيما يفيد». بينما هم يفْتقدون الصبر للانتظار. وهكذا
نلاحظ أطفالا متسرعين يريدون، كما هو الحال بالنسبة لعدد من الراشدين، كل شيء،
بسرعة، غير قادرين على إدارة المدة. المعايير المكانية، بدورها، تتطور بسرعة
كبيرة. إذ اليوم الذي نتوفر فيه على محمول، وجهاز تلفاز مرتبط بقمر اصطناعي، وجهاز
كومبيوتر مرتبط بالأنترنيت، يمكن لنا ربما أن نرتبط في اللحظة ذاتها بالعالم كله. ينمي
هذا المجتمع المعلوماتي ميولات تلصصية ويعطي بشكل متوازي الإحساس بعدم القدرة على
الفعل، وينمي اللامبالاة.
بالإمكان
مضاعفة الأمثلة لإظهار أن مجتمعاتنا تبحث عن معنى، مادامت الإيديولوجيات تفشل في
نيتها شرح العلاقات بين الناس. فقد أبان النظام الشيوعي عن عجزه التواؤم مع
الحرية. وتظهر الليبرالية عدم قدرتها التصالح مع المساواة.
يبحث
المجتمع إذن عن المعنى ومن ضمنه، بطبيعة الحال، مختلف المؤسسات أيضا. المدرسة
تتساءل عن معناها. وقد كان الهدف من المدرسة الجمهورية، البارحة، تجانس المجتمع.
ولهذا الأمر وُضعت البرامج: على جميع التلاميذ أن يتمدرسوا بنفس المضامين في نفس
الوقت. قيمة الحق تمثلت في المدرسة وقيمة الواقعة تمثلت في الطفل. كان على الطفل
التكيف مع المدرسة. بمعنى آخر تعليم المدرس كان له الأسبقية على تعلُّم الطفل.
لبست وزرة رمادية وأنا طفل، وكان من المفترض أن تخفي انتمائي الاجتماعي. إذ بالدخول
إلى المدرسة تُفتقد، بشكل ما، الهوية ويبقى محلها طفل من بين أطفال آخرين. لكن سنة
1989، مكّن قانون التوجيه المدرسي، ليس رمزيا، بل من خلال نص قانوني (قانون
جوسبان)، مكّن الطفل من احتلال مركز النظام التربوي. من ذلك الحين أصبح التلميذ
يمثل الحق، والمدرسة تمثل الواقعة، وهو ما ترجمته المشاريع المدرسية. هذا التحول
العميق أدى بالمدرسة إلى طرح تساؤلات جديدة: أسئلة المساواة والإنصاف (لا ينبغي
تقديم أكثر لمن لديه أقل، وهو ما يعارض مبدأ المساواة الجمهوري)، أسئلة التفرّد
والعالمية (كيف يمكن تدريس مضامين مختلفة لأطفال مختلفين، حيث توجد نفس الرؤى من
خلال هذه التعلمات؟). نمر من رؤية يعقوبية إلى رؤية لا مركزية.
وكما
هو الحال بالنسبة للمدرسة، تطرح العدلة في علاقاتها مع السلطة السياسية أو في
علاقاتها بالسلطة التنفيذية، ويطرح العالم الطبي والاستشفائي نفس الأسئلة المتعلقة
بمعنى أفعالهم، وأسسهم، وبتطورهم. عليهم، من بين أمور كثيرة، التوفيق بين
اليعقوبية والمركزية، بين مبادرة متجددة وتحقيق المحافظة والاستقرار. ألاحظ
بالجامعة أن العديد من الأطروحات تتناول كلمة الهوية.
في
عدد من المهن، تطرح مسألة المعنى، المسألة التي تترجم تشككات، وتساؤلات عميقة،
تجسد من خلال هذه المرادفة حقيقة الذي نقول «أين نحن؟ وإلى أين نسير؟». غالبا ما
تكون القضايا الجديدة التي تُطرح على مستوى الأداء المؤسساتي تبدو وكأنها تتعلق
بالنظام الاقتصادي، وبالميزانية (المزيد من القروض، المزيد من المناصب الشاغرة، المزيد
من الوسائل). نكتشف وراء هذه المطالب المتعلقة بالميزانية قضايا مرتبطة بالهوية
(الحالة، الوظيفة، الاعتراف الاجتماعي)؛ من ثمة قضايا ذات أبعاد نفسية (ما مكانتي،
هل لي مكانة في عملي وبالتالي في الحياة؟ هل يتم تقديري على الساحة الاجتماعية؟)
ما المعنى الذي يعطى لكلمة
معنى؟
في
نهاية المطاف، ماذا نقصد بالمعنى؟ لنعد إلى أصل الكلمة.
تحيل
الدلالة الأولى للكلمة على الحواس الخمسة (البصر، السمع، الذوق، الشم، اللمس) الني
يؤدي امتدادها الدلالي إلى «الحس السليم». حين نقول عن شخص ما «أنه ذو إحساس بـ...»،
نقصد أنه شخصٌ قادر، فقط بالحدس، على فهم الأمور التي تتطلب الكثير من الوقت كي
يستوعبها آخرون، دون إضفاء الطابع الرسمي عليه، ولا جعله متعقلا، ولا العمل على
تحديده بشكل مغاير للطريقة الحدسية.
المجال
الدلالي الثاني الذي نعثر ضمنه على كلمة «معنى» هو معنى الكلمات. تحيل كلمة «معنى»
على بُعدَي الدلالة الصريحة dénotation والدلالة الضمنية connotation. فالكلمات
لها معنى نجده في المعاجم، إنه الدلالة الضمنية، ثم إن الكلمات معبأة بعلامات
المعاني وبالرموز، وهي ما نسميها بالدلالة الصريحة. حين يكون للمعنى حمولة الكلمات
التي تضفيها عليها الدلالات الصريحة والدلالات الضمنية، تكون المسألة محددة في فهم
الأشياء، الفهم الذي يحيل على الممكن استيعابه من علاقات كلمة بكلمات أخريات داخل
حقل دلالي.
ثم
إن هناك مجالا دلاليا ثالثا للمعنى، كما في التعبير الذي يعطي معنى للحياة. هل
للحياة معنى؟ ما المعنى الذي أعطيه لوجودي؟ يتعلق الأمر هنا بمقاربة أخرى. معنى الميول،
الرؤيا، التي نميل إليها، التي نتوجه حولها، الهدف الذي نحدده، المسعى الذي نخطط
لبلوغه.
إذن
ما علاقة التي يمكن إقامتها بين الحواس الخمسة، وبين معنى الأشياء والكلمات وبين
المعنى كتوجه وكهدف؟ أعتقد أنه من الممكن أولا الجمع بين هذه المجالات الثلاثة
الدلالية بواسطة البعد الزمني. بواسطة الحواس الخمسة نحيل على الادراك الفوري
والمحسوس. بواسطة معنى الكلمات نتواجد في خضم الفهم الآني. وحين نتحدث عن إعطاء
معنى للوجود، نتواجد في المستقبل. دلالة كلمة معني ترجع بنا إلى أبعاد الزمن
الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. فكل وضعية يكون لها معنى حينما تبيح لمن يعيشها
أن يربط مُعاشا (الحاضر) بماضٍ (أصل القضايا التي يحملها) ومستقبل (ما يهدف إليه).
أذكر
في البداية أن المعنى ليس في الوضعيات التي نحياها. قلت «هذا المؤتمر لا معنى له، أنتم
من سيعطيه أو لا يعطيه معنى». في المدرسة ليس للفلسفة معنى أقل أو أكثر مما
للتربية البدنية والرياضية أو للموسيقى. لا معنى للشيء في حد ذاته؛ نعطي أو لا
نعطي معنى للأحداث. فالمعنى هي مسألة جد شخصية: سيعطي البعض معنى لوضعية ما، وأخر
لن يعطيها معنى، كما يمكنك أن تعطي معنى للندوة في الدقائق العشر الأولى ولا تعطيه
لها في الدقائق العشر الأخيرة. المعنى هو أمر عابر للغاية، جد شخصي وتقل جدوته
بسهولة.
عليّ
الآن الربط بين هذين المعطيين اللذين ذكرتهما للتو: أن المعنى في الزمنية وأن المعنى
في التفاعل. كيف الربط بينهما؟ إن كان لهذا المؤتمر معنى، فلأن فيما وراء اللحظة
التي نقضيها سويا، ما وراء الحاضر، تحيل الكلمات التي نتبادلها على ماضٍ، على
تساؤلات ضمنية أو صريحة حملتموها معكم وقد تجد عناصر إجابة لها ضمن هذه الوضعية.
وقد تجدون معنى لهذا المؤتمر لكونه يسمح لكم تلمس إمكانية فعل مستقبلي. بذلك ليس
المعنى في الحاضر، وإنما في الربط العرضي أو الواعي الذي يربط اللحظة الآنية أو
الماضية أو المستقبلية بالفرد. فالحديث عن بيداغوجية المعنى، هو إذن شيئ آخر غير
الحديث عن بيداغوجية الاهتمام، أو الدافعية التي تشدد على مختلف أوجه الحاضر.
تهتم
البيداغوجية، حاليا، أكثر بالعلاقات الكائنة بين الحاضر والمستقبل من اهتمامها
بالعلاقة بين الحاضر والماضي، عبر مفهوم المشروع. مشروع شخصي، مشروع مهني، مشروع
المؤسسة: مجال الفعل البيداغوجي مخضّم بالمشاريع: إننا نعمل على أن نعطي للحاضر
معنى بالاستعانة بالمستقبل، لا أن نمنحه معنى استعانةً بالماضي، أي بالتاريخ
والأنثروبولوجيا. وسأدافع عن بيداغوجية للمعنى تهتم أكثر بعلاقات الحاضر-الماضي
منها بعلاقات الحاضر-المستقبل بالنسبة للمواضيع المعنية.
بيداغوجية المعنى
أعتقد
أننا نعيش في حضارة لم تعد تفكر في ماضيها، قلقة كما هي بشأن المستقبل. إننا في
مجتمع يخجل أحيانا حتى من ماضيه، مجتمع لا يعرف فيه الأطفال أجدادهم، ولا يصلونهم،
في مجتمع المجهول الأكبر فيه هو الموت، غير مُفكّر فيه وغير معاش. علما أن المعنى
مُتمثل في القدرة على الرجوع إلى الماضي. والحاضر ليس سوى مستقبلٍ ماضيه مشكوك
فيه. لهذا سأقترح خمس خطوات أشير من خلالها كيف يمكن للبيداغوجية الانبناء حول قضية
المعنى.
المعيار
الأول: بُعد الذات والأخلاق
لا
ينفك التأمل البيداغوجي يتأرجح، كما يتأرجح رقّاص الساعة، بين قطبين، أحدهما مهتم
بما سيكون، أي ببيداغوجية التمكن (الإتقان)، بيداغوجية تحول العقول إلى أداة instrumentation، والآخر مهتم ببيداغوجية اليقظة، واستقلالية الذات، من خلال تحرير
النفوس. يميل الاتجاه الأول لأن يكون علميا عن طريق الترشيد والتخطيط. الاتجاه
الثاني ينحو أكثر جانب العاطفة. إننا لسنا في بحث عن الحجة وإنما نبحث عن العلامة
التي يمكن أن تكون حجة دون البرهنة عليها. ينتج هذا عن التذبذب بين المضمون والمنهج،
مع الفشل أحيانا في إعادة الاعتبار للذات المتعلمة. التأمل الأخلاقي بين المضمون والمنهج
قد استقطب الذات من جديد. وبهذا لا يكون التعليم إلا وسيلة في خدمة هدف متمثل في
التربية. والبارحة ذكّرت المدرسين أنْ: «لستم أساتذة للرياضيات أو التاريخ، أنتم
أساتذة لتعليم الرياضيات أو التاريخ بهدف تعليم أطفال موكلين إليكم والذين
تحولونهم إلى تلاميذ». بغمزكم، أقول إن كان هناك رعاية مرضية التي تنسق جمعيةٌ –مؤسستكم
– أبحاثا فيها، فإنكم لن تستهدفوا فقط زيادة قدرات منخرطيكم في معارف الرعاية
الصحية بهدف أن يصبحوا أساتذة للرعاية الصحية لطلابهم، وإنما ستستهدفون أن يصبح
طلابكم «مدرسين لتعلم التمريض مصحوب بهدف تربوي من أجل طلابهم» (وربما تحرري
للمرضى).
القول
بهذا يعني تقديم فكرة أنه عند تعليم العناية التمريضية إنما يتم تدريس شيء يتجاوز
التمريض. أنتم مربيون ومربيات من خلال ما تدرسون. لكن، ماذا نقصد بالتربية؟
للإجابة نقول: إنها شيء آخر غير الترويض وغير التعليم. إني أربي أطفالي دون أن
أعلمهم أي شيء على الإطلاق. يتم التعلم أحيانا حتى دون أن يعلمنا شخص ما. بل ويبدو
أننا في بعض الأحيان نتعلم من أشخاص لا يعلموننا أكثر من أشخاص يعلموننا. ففعل
التربية، في جميع الأحوال، ليس مشروطا، وليس أنْ أجعل من الآخر شيئي، إنه الدفع لِانبثاق
الغيرية، السماح للآخر بالتحدث بالأنا، في بضمير الغائب.
فعل
التربية يعني المساعدة على إبراز الغيرية. ما المقصود من هذا؟ يقصد من هذا أنه في كل مرة نمارس
التعليم، لا نهدف إلى صناعة طلاب هم أشباهنا، مستنسخين عنا. إنما نهدف إلى أن نوجد
آخر يختلف عنا، أن نجعل طلابنا مستقلين، أحرارا.
إن
التأمل البيداغوجي وهو يقحم البعد الأخلاقي من خلال الذات، يكشف لنا عن الصعوبة
التي نوجد فيها في الحياة اليومية التي تخلق الوعي من خلال التفريق بين نوايانا
وبين فعلنا. مهنة المدرس مهنة جد صعبة لكونها وهي تجعل الممارس منا على دراية
بنوايانا وأفعالنا تجعلنا على وعي بتواضعنا. لا أقول أنّ المدرسين هم أناس مستواهم
متواضع، وإنما التعليم وهو يمنح المدرسين الوعي بصعوبة فعل ما يرجون فعله، سريعا
ما يكون لديهم شعور بعدم كفايتهم على التوافق مع طموحاتهم.
بيداغوجية
المعنى هي بيداغوجية للتوفيق بين القول والفعل، بين النية والفعل.
المعيار
الثاني: الأخذ بعين الاعتبار الذات في تميزها –البيداغوجية الفارقية.
تكمن
الصعوبة التربوية في الأخذ بعين الاعتبار لما يشكل السمة الخاصة بالطلاب، ليس في
حرصهم على هذا التفرد ولكن في مساعدتهم على ما يُعتبر عالميا أمر من الواجب تحقيقه
في مجال معين مما يُتعلم. هذه القدرة على اعتبار فاطمة مختلفةٌ على صموئيل عليها
أن تكون مصحوبة بجعلهما كليهما ينضمان للعالمية، ذلك لأن التفرد لا قيمة له في حد
ذاته. إنْ كان للتفرد من قيمة في حد ذاته فسيكون من الضروري، في هذه الحالة، قبول
الختان، ختان الفتيات، قبول قطع يد السارق، وضرورة قبول كل ما يشكل تفردا. فالتفرد
لا معنى له في حد ذاته، ولا قيمة للتفرد إلا في علاقته بالعالمية. لا معنى لما
يفصل بين الناس إلا في علاقته بما يجمعهم. وفي نهاية المطاف، ما الذي نستهدفه حين
نصير أساتذة؟ نستهدف مراعاة تفرد التلاميذ لجعلهم ينخرطون فيما يتجاوزهم في تفردهم:
أي عالمية قيم الحقيقة، والجمال والأخلاق، بتبنّي الثلاثية الأفلاطونية.
إنه
مشروع البيداغوجية الفارقية: الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف، لأنه «بعدم الأخذ بعين
الاعتبار الاختلاف يُخلق الاختلاف». مراعاة الاختلاف لا تُبقي على الاختلاف؛ الغرض
هو المسك بما هو أبعد من الاختلافات: أقصد إطار القيم وإطار المضامين اللذين نعتقد
أنه من المهم على جميع الأفراد المتفردين اكتسابهما.
بيداغوجية
المعنى بيداغوجية قادرة على عدم محو الاختلافات، بل على العكس من ذلك أخذها بعين
الاعتبار، حتى يحس الجميع بالاعتراف. وهي، في نفس الوقت، بيداغوجية منشغلة بجعل
هذه الاختلافات في سياقها الصحيح جنب ما يتجاوزها: البحث عن القيم وعن المضامين
العالميين.
المعيار الثالث: البيداغوجية الفارقية ليست ذات
تأثير حقيقي إلا بشرط ألا تكون مفصولة عن ديالكتيك الذات والثقافة.
ليس
للمعارف وللمفاهيم وللمناهج وللتقنيات التي ندرسها من أثر تربوي واقعي إلا بشرط
عدم فقدان صلاتها بالثقافة المدرجة فيها؛ أي في ذات الوقت بشروط إنتاجها وشروط
استعمالها. للحديث عن تطور ثقافة الرياضيات في المدرسة دلالة مغايرة عن الحديث عن
تدريس معارف الرياضيات.
الثقافة
العلمية هي شيء آخر غير مجموع المعارف العلمية. تحيل الثقافة على شروط الانتاج
المعرفي وشروط استعمال المعرفة أملا في تحقيق شيء ما من أجل حرية الآخر. أقصد من
هذا أن الثقافة العلمية، في المجال الفيزيائي مثلا، عليها أن تصل إلى إفهام
المعرفة، لكن أيضا ابيستيمولوجيتها (في أيِّ إطار من الفهم العام تدخل)، والشروط
التاريخية لظهورها (بالجواب عن أي سؤال)، والعواقب المترتبة عنها بالعلاقة مع
التقنيات التي ساهمت في تطويرها (هل هي محرِّرة أم لا؟). كان بإمكاننا، البارحة،
أن نقول بشكل رمزي أن الإنسان كان في جيبه سكينا، يعطيه بعض الاستقلالية، فيسمح له
بالتقطيع، أو تخزينه، أو التلهي به (قد صنع مزمارا من قطعة خشب ومما ارتآه).
للإنسان اليوم هاتف محمول عوض سكين. هل يحرره هذا أم يستعبده؟ هل العلم يحرر أم
يستعبد؟ الثقافة تحمل في طياتها سؤال استعمال المعارف، سؤال أصل المعرفة وشروط
إنتاجها.
لذا
فالحديث عن بيداغوجية المعنى لا يروم فقط الإشارة إلى الذات، وإنما الإحالة على
جدلية الذات والثقافة. فهل أنتم مكونون للممرضين أم مكونون في التمريض خدمة لثقافة
صحية يجب بلورتها في المجتمع؟
المعيار
الرابع: بيداغوجية المعنى ليست فقط بيداغوجية تساعد على فهم الآني. إنها بيداغوجية
تعمل في نفس الآن على بلورة علاقة الحاضر بالمستقبل ومسألة المؤسسات والأسس.
كل
بيداغوجية، إن لم تكن تريد أن تكون مغرية، إن لم تكن ترغب في التركيز على ملف
العلاقة وإنما أيضا العمل على ملف الوساطة، عليها أن تمنح لنفسها فرصَ مساعدة
الآخرين على فهم كيفية قيامها إبان وضعية تدريسية، وأن تساعدها على أن تأخذ مسافة
عن المعاش في لحظة معينة. مساعدة الآخر على أخذ مسافة بالعلاقة مع ما تم عيشه في
لحظة معينة، يعني مساعدته على العيش كذات متعلمة ومن ثمة مساعدته على أن يعيش كذات
ثانية alter لمن درَّسه.
أعتقد،
بالتالي، أن تنمية بيداغوجية الذات يعني مساعدة المتعلم على فهم الطريقة التي
يرتبط بها بوضعية محددة، فهم الطريقة التي بها يتعلم. ليست بيداغوجية المعنى
بيداغوجية تساعد فقط على فهم اللحظة. هي بيداغوجية تعمل في نفس الوقت على علاقة
الحاضر بالماضي، تعمل على التاريخ والأنثروبولوجيا، وبُعد مسألةِ الأسس ومسألة أسس
ثقافة المعرفة.
المعرفة
إنتاج إنساني. وبما أنه إنتاج إنساني، فهو نتاج وضعية. إدخال التاريخ، ليس تاريخ
فرنسا، ونما تاريخ تعلّماتنا، تاريخ موادنا المُدرّسة، هي طريقة لفهم المنبع الذي
يأتي منه ما ندرس في لحظة محددة. القول بأن لوغاريتمات النيبرية قد نشأت على يد
رياضي اسكتلندي يسمى نيبير NEPER في القرن السابع عشر، أمر لا معنى له. لكن لمعرفة
الحالة التي كانت عليها الرياضيات في القرن السابع عشر، والمسألة الرياضية التي طرحها
نيبير، وكيف أنه انطلاقا من هذه المسـألة لم تسمح له المعرفة الرياضية بالإجابة
عليها، فقد شيد اللوغاريتمات النيبارية ثم، بعد ثلاثين سنة، لوغاريتمات العدد
العشري. هذا له ميزة إعطاء وضعية أخرى للمعرفة: وضعية الإنتاج الإنساني. في هذا
الاتجاه يسير تقديم تاريخ الرعاية الصحية، تاريخ العلوم، شيء من تاريخ الفكر
الإنساني في التكوين الصحي. أما البحث ضمن الرعاية الصحية عن أي المسائل الأساسية
التي تُجيب عليها، ماهي القضايا التي تهم كل الأعمار التي تحاول الإجابة عنها،
فهذا يعني ترسيخ بُعد المعنى ضمن المضامين التي تدرسونها. مسألة المتفرد والعام،
الذات والآخر، الترابط الضروري بين الحياة والموت، والعلاقات بين الجسد والروح هي
كلها من بين ما تدرسون. من الضروري إبرازها، بغرض ترسيخ التمريض الصحي بشكل حقيقي
كتخصص من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية وليس فقط كتخصص من العلوم الحقة.
ليست
العلاقة بالمعرفة علاقة معرفية فقط، يتم التعامل معها من حيث العمليات العقلية.
إنها علاقة بأمر يؤسس هويتنا. وعلى بيداغوجية المعنى أن تساعد المتعلم على اكتشاف العلاقات
الرابطة بين الثقافة والمعرفة، بين الأسئلة التقليدية ومعرفة اليوم.
المعيار
الخامس: العلاقة بالمعرفة التي تساعد على سؤال المعنى –مقاربة إيبيستمولوجية.
الإيبستيمولوجية
هي التفكير النقدي في المبادئ والمناهج والاستنتاجات العلمية. التفكير ذو الطبيعة
الإيبستيمولوجية تفكير يساعد على أخذ مسافة إزاء العلاقة بالمضمون المُدرَّس.
غالبا ما أسمع أناسا يطالِبون بتقديم معارف ذات مستوى عال عند التكوين، هم يعتقدون
أنهم يمتلكونها. لكن ماذا نفصد بالمعرفة رفيعة المستوى؟ الجواب: المعارف التي
بالإمكان النظر إليها بازدراء. أي أنه كيفما كانت طبيعة المعارف الني أمتلكُها،
مهما كان عدد سنوات الدراسة التي قضيتها، وإنْ كنت قادرا على الارتقاء وإلقاء نظرة
على المعارف التي أكتسبها، التي انتشرت على وجه البسيطة، وإن توصلت إلى تحديد
العناصر الرئيسية لهذه المعارف، عندها سيكون في حوزتي معارف من مستوى رفيع. تكمن
المعارف ذات المستوى العالي في القدرة على التمييز بين الأساسي والعرضي. وإني لست
متأكدا على الدوام من أننا نعطي مفاتيح المعرفة التي نقدمها لمدرِّسينا عند توعيتهم
بالأساسيات.
الفرق
الشاسع بيني وبين طالب، كوني حين أشرع في درسي بداية السنة، أعلم، بشكل عام، كيف
سأنهيه. إني، بطريقة ما، أمتلك البنية، مما يعني أن كل شيء له معنى بالنسبة لي إذ
أن كل ما أقوله، إنما أربطه بكلٍّ مُركب. فعلى نحو ما، إن استعملت استعارة
الإطار، فلدي في الخلفية شعاع رئيسي ثم الشعاع الثانوي من الإطار، في الوقت الذي ربما
أعلِّم لذات التلاميذ أنفسهم إطارات لهذه الخلفية وأن عليهم بشكل تدريجي بناء
الإطار. أقصد أن الفرق الشاسع بين طالب ومدرس، كون المدرس يمتلك، في أفضل الحالات،
بنية المعرفة التي يدرس، أما الطالب فعليه، في أفضل الحالات، بناء بنية المعارف
المُدرَّسة له. وفي نهاية السنة، يحدد الأفكار الثلاثة التي عليه الحفاظ عليها من
مجموع هذا المضمون.
يبدو
لي أن العمل على العلاقة بالمعرفة، التي تسهل علاقة التلاميذ بالمعرفة، إنما تثير السؤال
التالي: ما هي المفاتيح التي يجب منحها لهم وكيف يجب منحهم بشكل تدريجي مفاتيح
الوضعيات التي يتعين عليهم معايشتها؟ الفرق الشاسع بين المبتدئ والخبير في لعبة
الشطرنج، يكمن في كون الانسان لا يتصرف كالكومبيوتر. إنه لا يضع في حسبانه جميع
الحركات المحتملة. إنه يتميز بعين الخبير الذي، وهو يلقي نظرة فاحصة على رقعة
الشطرنج، يتنبه إلى بعض المواقف المحددة بين بعض قطعٍ معينة. تماما كما هو الحال
بالنسبة إليكم حين تلجون غرفة مريضٍ، تكشف لكم نظرة الخبير التي تتمتعون بها عن
أشياء لا يراها آخرون. النظرة التي تلقونها على المريض ليست هي النظرة التي يلقيها
زواره من معارفه، وهذا ما يؤسس خصوصيتكم المهنية. ومساعدة الطلبة على عيش علاقة
وضوحٍ مع المعرفة، تعني مساعدتهم على الفهم التدريجي لما يسميه البعض حلقات أفعال،
عادات مهنية، قدرات خبير إزاء مبتدئين.
يجب
على بيداغوجية المعنى أن تكون قادرة على مساعدة الطلبة على بناء عناصرَ انطلاقا
مما اكتسبوه عند تعلمهم، بغية تعزيز التمييز بين الأساسي والعرضي.
خاتمة
بيداغوجية
المعنى هي بيداغوجية قادرة على معالجة مسائل علاقة الذات بالثقافة، مع التركيز على
تهذيبها.
لبلوغ
هذا الهدف يصبح من الأساسي العودة إلى ينابيع هذه الثقافة، إلى تاريخها، إلى شروط
إنتاجها وإلى نتائج استخداماتها. كما تصبح الحاجة ضرورية لتنويع الممارسات من خلال
مساعدة الذات على الوعي بوعيه.
بيداغوجية
المعنى: هي بيداغوجية قادرة على مساعدة المتعلم على فهم علاقته بذاته، بالآخرين وبالعالم.

