Éric Dubreucq
رابط الجزء 1 من المقال:
تاريخ العلاقة بالذات و فلسفة التربية: 1) التاريخ و العلاقة بالذات
نحو فلسفة للتربية باعتبارها تجربة بالغة الأهمية
ما أريد
القيام به إذن هو اعتماد التجربة التربوية كواحد من الميادين الذي تبلور فيه
بالخصوص الشكل الحداثي للعلاقة بالذات –تجربة حاسمة، بالتأكيد ليس بمعنى أنها كانت
ستكون نتاجا للذاتية، ولكن لأنها بها تتواجد، بطريقة مثالية، السمات الأساسية.
بهذا المعنى يتمثل التفلسف في التربية، في نظري، في تحليل مجال من مجالات الواقع
أو ميدان تجريبي الذي لا تكمن قيمته في ذاته و لا لذاته، وإنما لديه ميزة أن يعكس
الحدود الأساسية للعلاقة بالذات، بتوفير سبيلٍ للولوج إلى تاريخ للذات هو نفسه جزء
من فلسفة للذات.
هذا ومن
ناحية أخرى فإن هذه الطريقة التي يتم بها اعتبار التجربة التربوية الحديثة، وهي
النقطة التي أنوي معالجتها، تسمح بصياغة مشكلة انبنائها داخل النظام الديموقراطي.
فباتباع لأولى الطرق في صياغة
المشكلة، فسيتم تنحية التجربة التربوية بشكل نهائي إلى مراتب الممارسات السابقة
والماضية، أو إنها تكاد تكون، على الأقل، مستحيلة كموضوع للتفكير و للعيش. فمن
ناحية إذا كانت التربية تدعو بشكل تقليدي، وكما يمكننا اعتقاده، إلى إقامة العلاقة
بين جيلين، والمرور من السلف إلى الخلف والاستمرارية، الجزئية على الأقل، للموروث،
وإذا كانت الحداثة الديموقراطية، من ناحية أخرى، كما تدفعنا إلى الاعتقاد خطى
تحليلية مثل تحليلات مارسيل غوشيه([1])،
المؤكِّدة [الحداثة الديموقراطية] بشكل مزدوج على سيادة الفرد وعلى ديناميكية
تساوي الظروف، فإنه يبدو من الواضح أن التباين بين الراشد والطفل، التي يفترضها
فعل هذا على ذاك و تبعية (المؤقتة على الأقل) ذاك لهذا التي تقوم عليها التربية،
لا يمكنها إلا أن تنمحي، جاعلة، مؤقتا على الأرجح، كل نقل «غير محتمل»([2])
والتربية في حد ذاتها غير قابلة للتفكير فيها. ثم يتم منح الامتياز لفلسفةٍ للتربية
سياسيةٍ و تاريخيةٍ، تؤكد على عمليات للعلمنة و على أشكال من القطيعة اعتاد
الأفراد الذين يسكنون عالمنا أن يرووا أنفسهم، في الغالب، كمدبجين لعالمهم السياسي
و جاعلين المجتمع نتيجة لتأسيس ذاتي: ف«التربية التي قوامها الديموقراطية»، التي
تهيء أو تفرض «الطفل الشخصية» و «الطفل المواطن»، وتتخذ «هدفا لها تعزيز الطفل
كذات و كفاعل للديموقراطية» (وليس كنتاج أو نتيجة لممارساتها)، تربيةٌ يمكن
اعتبارها بالفعل من الأمور التي لا يفكر فيها في عصرنا الحالي([3]).
يمكن للعديد من الأمثلة أن تؤكد طريقة النظر هذه. وهكذا نلاحظ أن لدى المفكرين
البراغماتيين، كجون ديوي مثلا، تصور هو، في نفس الوقت، أخلاقي و سيكولوجي بشأن
النفس البشرية يحيل على تصور يخص الفاعل الديموقراطي، وهو تصور يشير في نفس الوقت
إلى نشأة مفاهيم النشاط و الفائدة([4]).
أما لدى «الليبراليين البروتستانتيين»، أمثال فيردينان بويسون أو فيليكس بيكو
وإيدغار كوينيه([5])،
فسنكتشف تصورا «روحانيا إنسانيا»([6])
للذات، مما يمنحه مصدرا داخليا للتدين. و على نحو مماثل يمكننا، أيضا، أن نبرز لدى
الطوباويين من أمثال شارل فورييه أو فيكتور كونسيديران([7])،
الطابع التأسيسي للذاتية و، في نفس المجال، عوامل الجذب والتأثيرات العاطفية، سواء
على التربية أو على المجتمع. بالتالي لا يمكن لقضايا التربية، من منظور هذه
الفرضية، أن تكون لها علاقة بالوسائل، بالمعنى الذي نحافظ به على أمل حلها
بالمناهج والتقنيات المناسبة، و لا تتعلق بالغايات، كما لو أن الصعوبة لا تتمثل
سوى في تفعيل نظام من المبادئ المتماسكة. بالتأكيد، لن يفكر أحد في نكران أهمية
هذين البعدين البراغميتين والنظريين –لكن التأكيد على إمكانية حصولهما على
مبادئهما من مصدر خارجي، و باختصار أن تتم بلورتها من خلال نماذج تعمل على
استمارات دون علم أصحابها، فهذا لن يؤدي إلا إلى مضاعفة الصعوبة المتأصلة في كل
تفكير تربوي. وعليه، فالتربية، في إطار هذه الفرضية، تتعلق في المقام الأول
بإشكالية أخلاقية و سياسية، ولن تشكل فلسفة التربية سوى فصل من قسم أكبر، يشمل
فلسفة السياسية وفلسفة تاريخ العالم الحديث، حيث ستفصح عن نفسها بطريقة مثالة.
مقالات للنقاش
المواد التعليمية وتهذيب العقل، أية علاقة؟
إلا أنه لابد من
توضيح مجموعة أخرى من العمليات التي، وإن لم تُناقض الفرضية التي عرضتها بل، وعلى
عكس ذلك، تقترب منها، فإنها تختلف معها في بعض النقط.
يبدو لي أن التوتر الأخلاقي و الميتافيزيقي الذي يتسم به عصرنا يعبر عن نفسه، في المجال التربوي، على نحو أكثر كثافة، إن لم
أقل الأكثر عمومية، وأن هذا التوتر يمكنه أن يصاغ كأمر زجري موجه إلى كل على حدة –ومن
تمّ إلى الطفل بحكم دينامية فردية ومتكافئة- بأن يرتبط بذاته نفسها باعتبارها
شخصية ذاتية. والواقع أنه يمكننا، في أعقاب أعمال شارل تايلور، أن نذكّر بأصالة
هذه الطريقة التي أصبحت شائعة حاليا بين الجميع حيث يتصور كل واحد ذاته مالكة لداخلانيّة
Intériorité، التي يعتبرها عالما داخليا،
غنيا، متفردا و لا يمكن الاستغناء عنه، و مأخوذة، في نفس الوقت، في خضم حركة
تاريخية و صيرورة تُفقد منه مثلما تخلق فيه([8]). فلواحدة من سمات المجتمع
الديموقراطي –وضعُ الفرد كمبدأ معياري للقيم وقوانين الحياة- تستجيب الطرائق التي
يتوجب على هؤلاء الأفراد بفضلها النظر إلى أنفسهم، والعمل على كيانهم الحميمي
باستعمال بعض التقنيات و تطبيق بعض الممارسات، كي يحققوا ذواتهم. إن استكشاف
الطبيعة الطفولية –لاسيما الداخلانية الطفولية- واستكشاف كينونتها و في نفس الوقت
الماينبغي أن يكونه devoir-être، و مجموع الالتزامات، و القيم
وغيرها، المفترض فيها أن تحكم و توجه تطوره الذي شرعت فيها مختلف التصورات منذ
عقدين من الزمن، هذا الاستكشاف يسمح، في اعتقادي، بالعودة إلى مجموعة من الوصفات
الموجهة إلى التجربة الذاتية نحو المحاور الأساسية لعلاقة بالذات حديثة، و بالمثل
للتحليل التاريخي و الأخلاقي لبعض أوجه النظريات التربوية، المساعد على توضيح
القضايا المرتبطة بها. ففي فترة فيما بين نهاية القرن الثامن عشر و بداية القرن
التاسع عشر بدئ في بلورة طريقة مختلفة للتفكير في الطفولة، ومعها أشْكَلةٌ كانت
بنيتها حاسمة في صياغة التجربة الحديثة للتربية –نوع جديد من التفكير موازيٌ
ولربما نموذجيٌ لولادة ذاتية حديثة. وابتداءً من هذا التاريخ ظهرت أشكالا جديدة من
المعارف موضوعها تحليل شخصية الطفل في تفردها: إذ في الواقع أن ما هو مركزي في
الداخلانية دعوتها إلى أن تصير سيدة الموقف بشكل تدريجي. ذلك أنها، إن أردنا ذلك،
إعادةُ تعريف للجوهر الأخلاقي الذي هو من حيث المبدأ الديناميكية الأخلاقية
للحداثة. ثم إنه، من وجهة النظر هذه، يبدو لي أن المهم لا يكمن في غرس داخلانية
لدى الطفل أعيد تشكيلها تدريجيا على أنها ذاتية، وإنما في كون الطفل قد دعي ليصبح
ذاتا. أما مسألة منتهى الحياة الأخلاقية فتتوافق مع المثل الأعلى للذات باعتبارها
في نفس الوقت السيد و والصائغ لدوافعه الخاصة؛ وباختصار، يتعين على كل واحد السعي
إلى أن يكون حالق وجوده الخاص، على نموذج السببية الذاتية causa sui المزروعة
لدى الإنسان. هاتان العمليتان –زرع داخلانية ذاتوية لدى الطفل و دعوته كي يصير
الذات والسيد- ليستا معاصرتين تماما، [...]: إذ أننا بالحفر في الداخلانية
الذاتوية، نلمس التأثيرات الأولى عند نهاية القرن 18، في حين أن الدعوة إلى التحول
إلى ذات –كأن تتطور، مثلا، انطلاقا من أنشطته الخاصة- فلم تبدأ في الظهور إلا مع
النصف الثاني من القرن 19، لتزدهر في القرن الذي يليه.
اقرأ : المؤسسة المدرسية كفضاء مشترك
Dubreucq
Éric, « Philosophie de l'éducation et philosophie du sujet. Pour une
enquête philosophique sur la figure modernede la subjectivité dans l'expérience
éducative moderne », Le Télémaque, 2006/2 (n° 30), p. 77-106. DOI :
10.3917/tele.030.0077. URL : https://www.cairn.info/revue-le-telemaque-2006-2-page-77.htm
هوامش
[1]- Voir M. Gauchet, « L’école à l’école d’elle-même », p.
109-169.
[2] - Voir P.
Statius, « Les difficultés de la transmission en régime démocratique », Le
Télémaque, no 26,
novembre 2004, La Transmission, p. 69-78.
[3] - Voir M. Gauchet, « La question de l’éducation comme
question philosophique », in M.-C. Blais, M. Gauchet et D. Ottavi, Pour
une philosophie politique de l’éducation, Paris, Bayard, 2002, p.
18-23.
[4] - سيعطي أدولف فيريير، في كتابه L’École
active (5e éd. abrégée, Neufchâtel, Delachaux et Niestlé,
1953 [1920]) كل من نيتشه و
شوبنهاور، برغسون، و جون ديوي أيضا في أصل إلهام لعلم النفس الذي يستلهم منه
التصور التربوي.
[5] - Voir P. Cabanel, Le Dieu de la République. Aux
sources de la laïcité (1860-1900), Rennes, Presses universitaires
de Rennes, 2003.
[6] - Voir É. Dubreucq, Une éducation républicaine,
chap. II.
[7 - C. Fourier, Le Nouveau Monde industriel et
sociétaire, section III, chap. XVII-XXIV, Dijon, Presses du Réel, 2001 ; V.
Considérant, Théorie de l’éducation naturelle et attrayante, Paris,
Librairie de l’École sociétaire, 1844 (= Destinée sociale, t. III,
Paris, Librairie de l’École sociétaire, 1844)
[8] - Voir C. Taylor, Sources of the self, chap. 21 sq
