المأساة حسب مارسيل كونش (ج 1)

المأساة حسب مارسيل كونش (ج 1)

 



أندريه كونت-سبونفيل

اقرأ: اسبينوزا والإسلام (في أربعة أجزاء)

المأساة هي نوع أدبي قبل أن تكون مفهوما فلسفيا. وهي تجربة قبل أن تكون نوعا أدبيا.

بدون كُتاب المأساة –بدءا من الإغريق: سوفوكليس، إسيخيلوس، يوربيديس-، لم يكن للفلاسفة أن يستخدموا هذه الكلمة أبدا، وأن يجعلوا منها تصورا فلسفيا، بل و لا حتى أن يحولَّها العديد منهم إلى مفهوم فلسفي.

ولو لم تكن قبل هذا محنةٌ، سابقة عن كل عمل مسرحي، فمن البين أن المأساة، كنوع أدبي، لم تكن أبدا لترى النور.

يعيش المرء أولا، ثم يتفلسف Primum vivere, deinde philosophari  ... هذا ينطبق أيضا على المأساة: إنها جزء من المعيش، قبل أن تتملّكها الفلسفة لدى البعض.

بطبيعة الحال، المأساة كمفهوم فلسفي هي التي تهمنا اليوم، و بشكل أدق المكانة التي تحتلها في فكر مارسيل كونش، ابتداءً من نصوصها الأولى المنشورة.

لماذا اخترت هذا الموضوع؟ لاشك أنه يتوافق مع اهتماماتي الحالية، والتي جعلتُ منها كتابا: من التراجيديا إلى المادية (والعكس)، ست وعشرون دراسة عن مونتينيي، باسكال، سبينوزا، نيتشه وبعض الآخرين. مارسيل كونش واحد من « بعض الآخرين»، وهو ليس أقلهم أهمية بالتأكيد (ثلاث دراسات، ضمن هذه المجموعة، مخصصة له بالكامل، وورد ذكره في أخريات كثيرات، خصوصا في المقدمة والخاتمة الطويلتين). وفاءُ الطالب، أم فقط وفاء مريد؟ ليس فقط هذا. وليس هذا فحسب. فمارسيل كونش، في مساري الخاص، وخاصة فيما يتعلق بالمسألة التي تهمنا، سيلعب دورا حاسما: فهو الذي، بتعبيرٍ جامع مانع، قد صالحني مع التراجيديا.

هل كنت إذن على خلاف مع هذه الفكرة؟ جزئيا، نعم.

الحديث عن «خلاف»، يعني افتراض وجود توافق أو انسجام سابقين. هذا ما كان عليه الحال فعلا: أولى الكتب الفلسفية التي قرأتها، قُبيل سنة الباكالوريا، كانت على التوالي: أفكار لبليز باسكال، خوف وارتجاف لكيركيغارد، وأخيرا أسطورة سيزيف لكامو. ثلاث مؤلفين يمكن اعتبارهم بحق (حتى لو كان نعتا لا يستعمله أولهم)، والذين نعتبرهم عادة كمؤلفي تراجيديا. قول أنهم أثاروا تعاطفي يبخسهم حقهم: ما كنت أحس به تجاههم من إعجاب تضاعف فعليا بشعورٍ قوي بالتقارب، والالتحام، والـوئام، كلما كانت هناك مأساة، في كتاباتهم، تُحادث مراهقا مكتئبا –وأيضا، وقتها، مسيحيا- الذي كنته.

 

اقرأ: هلهناك أخلاق دولة؟

 

ثم جاء ماي 1968، الذي جرف كل شيء، بما في ذلك الله والتراجيديا. وحل مكانهم ماركس، وبعده أبيقور فاسبينوزا (نعم، على هذا الترتيب تقريبا)... توقفت المأساة لفترة عن إثارة انشغالي، أو توقفتُ عن عدِّها موضوعا فلسفيا –عن طواعية، في هذه الحالة، لأن تناول نيتشه لها، الذي بدأت قراءتَه في سنوات السبعينات، بالكاد أقنعني: بدا لي أنه لا يفارق فكرة رأيت فيها آنذاك، لأسباب وجيهة، أنها فنية ورجعية للغاية حتى يمكنها إقناعي. لم أكن بعيدا من رؤية أن في المأساة «محنة المثقفين»، كما كتب لي مؤخرا صديقي إفون كوينيو، بل وعواطف بورجوازي صغير، كان من الضروري التغلب عليها أو تجاوزها بسرعة...

لحسن الحظ، كان هناك مارسيل كونش، الذي اكتشفته أولا ككاتب، خلال السنة التي حصلت فيها على الماجيستير، بفضل مؤلفه الصغير عن لوكريشا (مؤلَّف آخر مأساوي، بطريقته الخاصة، حتى وإن يقل مارسيل بذلك، إلا إذا كنت مخطئا([1]))، وفي السنة الموالية كأستاذ، من خلال درس التبريز الذي قدمه عن الأبيقورية، وأخيرا كفيلسوف بشكل صريح (سنة 1976 بالتأكيد) من خلال التوجه الفلسفي، المؤلف الأساسي الذي بدا فيه مفهوم المأساة بشكل لافت، خاصة في فصله السابع، المخصص لل«حكمة المأساوية». هنا نبلغ المربط أساسي، والذي علينا التوقف عنده قليلا.

 

من «المعضلة المنطقية للحكمة» إلى «حكمة التراجيديا».

كيف ظهر مفهوم ال«حكمة المأساوية»، في هذا الفصل من التوجه الفلسفي؟ هل كقضية؟ لا، أبدا؟ إذن كحل. نعم، لإنه السبيل من حيث «يتم وضع حل ل"معضلة الحكمة المنطقية»([2])

لنقل إذن، أولا، كلمة في شأن هذه ال«معضلة المنطقية للحكمة». ينطلق مارسيل من قولة أناكسيماندريس، التي يترجمها على النحو التالي: «من حيث تستمد الكائنات وجودها، من خلال الدمار، تعود بحسب قانون حتمي. ذلك أنهم ينصفون ويجبرون بعضهم البعض على ظلمهم المتبادل، وفقا للضرورة الزمنية.»([3]).

ما يعنيه هذا، وفق تأويل مارسيل كونش، هو أن الكائنات هي في وضعية صراع وتنافس، كل يريد أن يحقق وجوده، أي العيش على حساب الآخرين: «الكائنات يحركها النزوع نحو التوسع، تحركها إرادة القوة»، كل منها «لا تظل هي ذاتها إلا من خلال المطالبة أكثر من الأراضي»([4]),

هنا مكمن الظلم الأكبر، مما يثبت أن أنكسيماندريس على حق: لا يميل كل كائن إلى المحافظة على وجوده فحسب، بل إلى تنميته على حساب الآخرين. هذا هو منطق الحياة أيضا، بما في ذلك الحياة البشرية: ليست الغطرسة موقوفة على الإنسان (يستشهد كونش بأرشيلوخوس، الذي ينسب الـغطرسة «حتى إلى الوحوش»([5]))، وإنما هي الميل الأساسي للكائنات الحية كمجهود conatus عدواني و صراعي أولي (وهو ما لا علاقة له بفكر سبينوزا: انظر البديهية الفريدة من الكتاب الرابع حول الـأخلاق([6]))، وبعبارة أخرى كإرادة القوة، التي تساير إلى حد كبير فكر نيتشه: يكتب هذا الأخير، أن العيش: «هو بالأساس سلْب، وجرح وقهر الغريب والضعيف، إخضاعه، وفرض قواعدنا الخاصة عليه بقساوة، ودمجه و، على الأقل، وفي أحسن الأحوال، استغلاله»([7]). كل كائن حي، بحسب نيتشه، يريد «النمو، أوسع قدر ممكن من المساحة، أن يحتكر، ويصبح مهيمنا، ليس بحكم أخلاق أو لا أخلاق محددة، لكن فقط لأنه يعيش ولأن الحياة إرادة قوة»([8]). هذا ما يسميه مارسيل كونش «هيمنة تعسفية prédominance abusive»، التي تهم «كل الكائنات» وتميل نحو «حرب كونية»: فالكائنات «خلال وجودها أعداء»([9]).

 

اقرأ: هلمن حاجة إلى الفلسفة؟

 

من اللازم مواجهة هذه التحليلات بالميول السلمية المعروفة جيدا –والمؤكدة بشكل متزايد- لمارسيل كونش. إلا أن هذا سيبعدنا عن موضوعنا. لنتساءل بالأحرى عن الكيفية التي نفكّر بها العلاقة بين هذه ال«حرب الكونية» والحكمة. مارسيل كونش يرى فيها علاقة تعارض، التي قد تبدو وكأنها تثبت خطأ الحياة، كما يمكن أن تثبت –بحسب كونش كما الحال بالنسبة لنيتشه- خطأ الحكمة، على الأقل بالنسبة للمفهوم التقليدي الذي لدينا عنها.

لنستشهد بالنص: «إذا كان «الظلم» حقيقة كل الكائنات من حيث هي كذلك، إنْ كانت في وجودها متحمسة، عدوانية، غير عادلة، مستبدة، أليست الحكمة، باعتبارها تقمع هذه النية وهذا الدافع، نفيا للوجود نفسه، إرادةَ العدم والموت؟ إذا كانت الكينونة، الحياة نفسها، إرادةَ قوة، فإن الاختيار يكون بين الوجود واللاوجود، الحياة والموت. ألا تكون الحكمة، في هذه الحالة، اختيار الموت؟ أليس موت الحكيم علامة على عدم التوافق بين الحكمة وقوانين الحياة؟ سوفروسوني Sophrosunè تدل على الـاعتدال. لكن ألا توصي حكمة الاعتدال على العيش بتوتر أقل، والعيش أقل؟ ألا يعني العيشُ حكيما، «حصيفا»، العيشَ أقل؟ نصادف هنا مشكلة الشغف. ف«ليست الميول والعواطف سوى حيوية (Lebendigkeit) الفرد»، كما يقول هيجل. لذلك، أليس العيش دون عاطفة هو كعيش حياة ميتة، كما لو كانت غير موجودة أصلا؟ أليس ما تريده الحكمة هو أن تكون الحياة نفسها على «اعتدال»؟ أليست الحكمة إلى جانب الموت، والعاطفة إلى جانب الحياة؟ هذه هي المعضلة المنطقية للحكمة.»([10])

هذا النص، ذو الطابع النيتشوي بشكل مدهش، يمكنه، في جوهره، أن يبدو وكأنه تحد لكل حكمة. لا، لا شيء من هذا على الإطلاق. ذلك أن هذه ال«معضلة منطقية» تجد حلها، وحلها متمثل بالتحديد في مفهوم ال«حكمة المأساوية» الذي يقتبسها كونش بشكل صريح من نيتشه([11]). كيف يمكن وصفها؟ من خلال «تثبيت الوجود»، لكن الوجود ال«كلي»([12])، بما في ذلك السكر والإفراط (الجانب «الديونيزياكي»)، والمعاناة([13])، والخطر، وعدم الاستقرار («عالم الحكمة المأساوية» هو «عالم هيراقليطي»([14])).

كيف سيتم حل هذه المعضلة المنطقية للحكمة؟ في أن لا يحاول حكيم التراجيديا يقلم من الحياة جانبها العاطفي، أو غير المعقول أو المتطرف: يقبلها بكليتها، سعادة وشقاء، فرح و ألم، لذة ومعاناة، عقل وعاطفة([15]). لقد كانت المعضلة المنطقية تتمثل في كون الحكمة تبدو وكأنها تعارض الحياة، وبالتالي تميل نحو الموت. لكن هذا ليس صحيحا بالنسبة للحكمة المأساوية، التي ليست سوى التثبيت الشامل للحياة في مجملها، بما فيها الموت أيضا، وذلك حبا في الحياة وليس طلبا لحماية النفس من تجاوزاتها، الانفعالية مثلا، التي هي جزء من جوهرها. كتب مارسيل كونش: «لدى الإنسان المأساوي، الحياة هي التي تُثبِّت الحياة –والموت. يريد الإنسان المأساوي وحدة الأضداد، أي كِلا الجانبين من أي شيء يجعله حيا: الحب ونهاية الحب، الصداقة ونهاية الصداقة، العمل وتخريب هذا العمل، اللحظة السعيدة ونهاية اللحظة السعيدة»([16]). في منأى عن الرغبة في قمع أو التخفيف من العواطف، فإن الحكمة المأساوية هي تأكيد على الحياة ككل، التي لم تكن أبدا وفية لجوهرها، «ربما»، إلا في «في عمق، وجدية العواطف الشديدة»([17])

كل هذا ليس لدي الوقت للبرهنة عليه بالتفصيل، وهو وفي إلى حد كبير للفكر النيتشوي، الذي يشعر مارسيل أنه قريب منه (وإن لم يكن يقاسمه بطبيعة الحال طرحه اللاأخلاقي([18])). مفهوم كونش للمأساة غير مختلف تماما عن تصور نيتشه، وغير مختلف عن باقي المفاهيم، وهو ما يجب تبيانه الآن.

تابع من هنا: المأساة حسب مارسيل كونش (ج2)

 



المصدر

https://www.cairn.info/revue-l-enseignement-philosophique-2015-4-page-44.htm

الهوامش

[1] - انظر مع ذلك تصدير الطبعة الجديدة التي تقدم لوكريشا وكأنها «ضد باسكال» ويشير إلى أن« من طبيعة الأشياء أنها لوكريشا مزدوجة تعبر عن نفسها»، الأولى ( تلك التي سبقت درس أبيقور) هي «حزينة، كئيبة، قلقة وأيضا مكروبة، يغريها الانتحار» (Lucrèce et l’expérience,

Seghers, 1 9 6 7 , rééd. PUF, 2 0 1 1 , p. 1 3 -1 4 ).

[2] -   Orientation philosophique, Mégare, 1 9 7 4 , rééd. PUF, 1 9 9 0 , rééd. Les Belles Lettres, coll. « Encre   Marine », 2 0 1 1 , « La sagesse tragique », p. 1 8 3 (PUF) ou 2 0 4 (Belles Lettres).

[3] - Ibid., p. 1 5 8 ou 1 7 6 .

[4] - Ibid., p. 1 5 9 ou 1 7 7 -1 7 8 .

[5] -  Ibid.

[6] - «لا يعطى شيء فريد في الطبيعة دون أن يعطى معه شيء آخر أكثر قوة. لكن، إن أُعطي شيء ما، يُعطى معه شيء آخر أكثر قوة، به يمكن أن يُدمر الأول.» نلاحظ مع ذلك أن المسألة بالنسبة لسبينوزا لا تتعلق عدوانية جوهرية بقدر ما هي حالة موضوعية من الصراع: بحالة أقل من معطى ذاتي منها من علاقات قوى.

[7] - Par-delà le bien et le mal, § 2 5 9 .

[8] - Nietzsche, ibid.

[9] - Orientation philosophique, « La sagesse tragique », p. 1 5 9 ou 1 7 8 .

[10] - Ibid., p. 1 6 0 ou 1 7 8 -1 7 9 , qui renvoie en note à l’Encyclopédie des sciences philosophiques de Hegel

 (1 8 3 0 ), § 4 7 5 .

[11] - Ibid., p. 1 6 1 ou 1 7 9 , qui cite La Volonté de puissance et Ecce homo.

[12] - Ibid.

[13] - Ibid., p. 1 6 2 ou 1 8 0 .

[14] - Ibid., p. 1 6 3 ou 1 8 2 .

[15] - أنظر مثلا: ibid., la note 1 de la p. 1 5 7 ou 1 7 5 , et les p. 1 6 1 et 1 8 3 ou 1 7 9 et 2 0 4 .

[16] - Ibid., p. 1 8 1 ou 2 0 2 .

[17] - Ibid., p. 1 8 3 ou 2 0 4 .. موضوعات العاطفة والافراط سيتم التخفيف منها في المؤلفات اللاحقة: سيعمل السوفروسوني [أو الاعتدال] على التغلب على الغطرسة، كما هو حال بالنسبة لحكمة أبولو عند أبيقور على حكمة ديونوزوس عند نيتشه: أنظر  Épicure en Corrèze, Stock, 2 0 1 4. لكن هذا التقارب مع سيد الجنة ليس له علاقة بالفكر («فلسفتي مخالفة لفلسفة أبيقور») ب«اختلاف طريقة الحياة» (op. cit., p. 9)

[18] - Voir mon article « Marcel Conche avec et contre Nietzsche » dans Du tragique au matérialisme (et retour).