ترجمة:
نورالدين البودلالي
بقلم:
Nathanaël
LAURENT. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),
Université de
Namur, Belgique. nathanael.laurent@unamur.be
Federico
GIORGI. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),
Université de
Namur, Belgique. federico.giorgi@unamur.be
Mathieu
GUILLERMIN. UR CONFLUENCE : Sciences et Humanités (EA 1598), LyonCatholic
University, France. mguillermin@univ-catholyon.fr
مقدمة
منذ
أن أصبحت أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي (IAg) ChatGPT متاحة للجمهور
العريض في نونبر 2022، ارتفع عدد مستعمليها بشكل هائل. وبفضل هذا التطبيق ذي
القدرات المذهلة، الذي سرعان ما لحقت به تطبيقات أخرى من النوع نفسه، احتل
"الذكاء الاصطناعي"، والذي كان حاضرا، مع ذلك، في كثير من أدواتنا
الرقمية، مكانة مميزة وسط مجتمعاتنا الحديثة القائمة على التقنية.
وقد
كان نجاح هذه الأدوات، التي تولّد الصور، وتنتج توليفات صوتية، وتؤلف، بطبيعة
الحال، النصوص نيابة عنا، ملحوظا على الخصوص في مجال التربية. ويلاحظ جوش فريمان Josh Freeman، الذي وضع تقريرا
بحثيا حول استعمال الذكاء الاصطناعي من قبل طلبة المملكة المتحدة المنشور سنة
2025، أن 92% منهم يستعملون الذكاء الاصطناعي في إطار
دراستهم(3).
وفي
مقابلة مع University World
News، أدلى
فريمان(4) أيضا بالتصريح التالي: «إن أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الطلبة
إلى الالتحاق بالجامعة هو اكتساب المهارات التي سيحتاجون إليها في سوق العمل، وقد
أصبحت المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالفعل ضرورية للغاية في سوق الشغل.». ومع
ذلك، في الوقت الذي تواصل فيه العديد من القطاعات المهنية مسارها نحو مزيد من
الأتمتة والتنميط، وتعمل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي على تسريع هذا المسار القائم
منذ بدء عصر الرأسمالية، فإنه يبدو لنا من المستغرب أن يُختزل الإقبال المتسارع على
برمجيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاع التعليم العالي في مجرد تكيّفٍ
للمؤسسات الأكاديمية مع المستجدات والاحتياجات المهنية الحديثة.
إقرأ أيضا: التفكير في التربية زمن الذكاء الاصطناعي
وكما
بيّن بشكل جلي استطلاع فريمان، وكما لاحظناه أيضا بأنفسنا خلال لقاءاتنا مع العديد
من الطلبة، فإن استخدامات هؤلاء للذكاء الاصطناعي التوليدي لا تندرج إلا بشكل
هامشي في إطار آليات التعلّم التي صممها المدرسون. إن هذه الاستخدامات تتنافس بشكل
أكبر مع المناهج أو الأساليب التربوية – ولا سيما طرق التقييم – التي أصبحت في
الواقع موضع تساؤل وشكّ جراء السلوكيات الجديدة الملاحظة لدى الطلاب، أكثر من
كونها قد تحوّلت وتغيّرت بفعل الاحتياجات الجديدة المعبَّر عنها من قِبل الأوساط
المهنية.
وانطلاقا
من هذه الملاحظة، نعتبر الانتشار السريع والتلقائي للذكاءات الاصطناعية التوليدية
على الممارسات التربوية برؤية أكثر نقدية، قريبة، على الخصوص، من الرؤية المعبر
عنها قبل بضع سنوات من قبل الفيلسوفة مارتا نوسباوم(7):
«إذا استمرت
الأمور في هذا الاتجاه، ستنتج دول العالم بأجمعها قريبا أجيالا من الآلات الفعالة،
لا مواطنين مكتملين قادرين على التفكير بأنفسهم، ونقد التقاليد، وفهم ما تعنيه
معاناة الآخرين ونجاحاتهم.»
هذا
الموقف يتعزز بتصريح آخر لفريمان، أدلى به خلال المقابلة نفسها(4)،
والذي يبين إلى أي مدى أصبحت الإنتاجية كفاءة عليا وأساسية في المناهج الجامعية:
«إذا أُتيح للطلبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
بكفاءة -أي بطريقة مثمرة، لكن أيضا بطريقة ذكية ونقدية، مع فهم تام لحدود هذه
الأدوات، أين تكون نافعة وأين لا تكون كذلك - فسيكونون أكثر إنتاجية»
(التأكيد منا)
إذا
كان الوسط التربوي قد استقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي بهذا السرعة وبهذا الزخم،
فمن المحتمل أن تكون المعارف التي تُنتج فيه وتنقَّل عبره هي نفسها مُوحّدة ومنمّطة،
ومن ومن ثم يسهل محاكاتها وإعادة إنتاجها. إنها تشكل مادة أولية من الطراز الأول
بالنسبة إلى للخوارزميات!
في
محاولة لفهم هذه التقننة للمعارف المُدرّسة، التي غالبا ما تعمم الظواهر
والممارسات –أي التجارب المعاشة- وهي في الواقع شديدة التنوع والتعقيد، يمكننا
مقارنتها بالأرشيفات. يشرح لنا جييرمو كوزلوفسكي وكثير من الأرشيفيين(5)
أن «معالجة كل أرشيف تتبع المنطق الخاص بالجهة المنتجة له»، وأن الأرشفة «ليست
ترتيب أشياء، بل تتمثل أولا في إيجاد نمط الترتيب، أي المنطق الخاص الذي يجمع بين
الوثائق»
اقرأ أيضا: التربية من زاوية فلسفية
أما
ChatGPT وسائر الخوارزميات
الأخرى المماثلة، فهي تعمل، من جهتها، على تركيب كيانات تفتقر إلى المعنى
والتاريخ، بما يفضي إلى إنتاج محتويات تكتسي، بالنسبة إلينا، معنى ما. لبلوغ هذا
المقصد، يكون من الضروري إنجاز مليارات العمليات الحسابية التي تُترجم إلى
احتمالات ما كان، في الأصل، ناتجا عن تجارب متفردة ومتجسدة ومتعددة الحواس. ومن خلال
التعامل مع معطيات منفصلة عن أوساط إنتاجها، وجاهلة بظروف ظهورها، تفتقر الذكاءات
الاصطناعية التوليدية إلى كل الغنى العلائقي والتجريبي الذي تزخر به الأرشيفات.
يمكننا،
إذ ذاك، التفكير في البيئات التربوية باعتبارها فضاءات للأرشفة، حيث لا يتمثل
التعليم في تمثُّل المعلومات ثم استعادة النتائج، بل في استعادة طرائق إنتاجها
داخل ممارسات متفردة. فالذكاء الاصطناعي الذي يحاكي منتوجا تعلُّميا يمكن، بالتالي،
أن تقصّر الطريق على عملية تكوين المتعلم، ويجعل هذا الأخير أداة في يد التكنولوجيا.
وإنْ استطاع الذكاء الاصطناعي أن يلعب دورا ضمن بعض أشكال التعلّمات، فليس ذلك من خلال
الاستئثار بالتوليدية، وإنما، على العكس من ذلك، بتحفيز توليدية المتعلم.
إن
تغلغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سياقات التعلم تستدعي أيضا التساؤل
حول الأنشطة البيداغوجية التي يقترحها المدرسون على المتعلمين. فالممارسات التي يمكن
تعوضها بسهولة ويسر بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي مهددة بأن تزداد فقرا
سريعا إلى الغنى، بفقدانها لقدرتها على إفساح المجال لغير المتوقع وللدهشة. أما المعارف
المتراكمة، التي ارتقت إلى مستوى النظريات المعيارية، وأصبحت متاحة الآن بمجرد توجيه
طلب بسيط إلى خوارزمية، ستحل تدريجيا محل المعارف التجريبية التي لا يمكن الحصول عليها
إلا من خلال ممارسات محددة السياق، والمميزة دوما بعدم القابلية للإتاحة الفورية.
في بقية هذا المقال، سنحاول أن نحدّد بصورة أدقّ
استعصاءَ الممارسة التعلمية الخاصة بالتربية الإنسانية على الاختزال، وذلك من خلال
مقاربتها بما يعنيه التفكير. لهذا الغرض، سنقوم بتأمل عميق في العلاقات التي نقيمها
مع التكنولوجيا. لكن، وقبل ذلك، نود تقاسم تجربة واقعية تندرج ضمن مشروع بحث-فعل
مشترك بين الجامعات وعلى الصعيد الدولي.
ا
(1)
BENSAUDE-VINCENT B. – Les vertiges de la technoscience. Façonner le monde
atome par
atome, La Découverte, Paris, 2009.
(2) CRAWFORD K.
– Contre-Atlas de l’Intelligence Artificielle, Éditions Zulma, Paris,
2002, p. 245.
(3) FREEMAN J. –
Student generative ai survey 2025. Higher Education Policy Institute:
London,
UK, 2025.
(4)
https://www.universityworldnews.com/post.php?story=20250228175423255
(5) HEIDEGGER
M. – Sérénité, dans Questions III, Éditions Gallimard, Paris, 1966.
(6) MEYER M.,
VANVELTHEM L., MOREAU J-L. et KOZLOWSKI G. – Sens de
l’organisation
ou organisation du sens ? CFS asbl., 2024, https://ep.cfsasbl.be/sens-del-
organisation-ou-organisation-du-sens
(7) NUSSBAUM M.
– Les émotions démocratiques. Comment former le citoyen du XXIe
siècle ?
Flammarion, Champs essais, Paris, 2020, p. 10.
(8) LAURENT N.,
GIORGI F., GUILLERMIN M. – Dire oui et non aux outils
d'intelligence
artificielle pour préserver la relation de soin. Ethica Clinica, 2024, 113,
11-25.
(9) LAURENT N.,
GIORGI F., GUILLERMIN M. – Une indispensable réflexion éthique
en amont de l’utilisation
de l’IA dans le domaine de la santé. Soins Cadres, 2025, 9077,
157, 40-44.
(10)
TCHOUANG-TSEU, L’OEuvre complète, XII « Ciel et terre », dans Philosophes
taoïstes, Unesco et Éditions
Gallimard, Paris, 1980, p. 170.
