📁 آخر الأخبار

التفكير في التربية زمن الذكاء الاصطناعي: الجزء 2





ترجمة: نورالدين البودلالي

بقلم:  

Nathanaël LAURENT. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),

Université de Namur, Belgique. nathanael.laurent@unamur.be

Federico GIORGI. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),

Université de Namur, Belgique. federico.giorgi@unamur.be

Mathieu GUILLERMIN. UR CONFLUENCE : Sciences et Humanités (EA 1598), LyonCatholic  

University, France. mguillermin@univ-catholyon.fr

  

يميز النص بين الفكر الحسابي، الذي يسعى إلى التوحيد وتجنب التناقضات، والفكر التأملي، الذي ينفتح على التعقيد والاختلاف والفرادة. ويؤكد أن التربية الحقيقية تقتضي تنمية التفكير النقدي والتعلم من التجربة والإنصات إلى الآخر، بدل الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة التي تنتجها التقنيات. ويخلص إلى ضرورة بناء علاقة متوازنة وواعية بالتقنية، تستند إلى أخلاق الممارسة والمسؤولية الإنسانية، وتحول دون هيمنة المنفعة على سائر غايات الإنسان.


الإنسان ينتج التقنية التي يمكن أن تُتَقْنن الإنسان

التطبيقات المعلوماتية، ومن ضمنها أدوات الذكاء الاصطناعي (IA)، تواجه الانسانية بخيار صعب. تقدم أم خطر؟ ولمن؟ إنها الأسئلة التي تطرح في غالب الأحيان في مجالات التعلم والممارسات المهنية، لكن أيضا في الفضاءات العامة الخاصة.

كونها واحدة من الفلاسفة الذين يشككون في هيمنة العلم الحديث، تؤكد برناديت بنسود-فانسنت(1) على أن «التقنو-علمية تبني عالما مسطحا، بلا تضاريس ولا معالم، عالما أملس، مأهولًا بآلات آلية عالية الأداء وقليلة التفكير». إنها تدعو إلى «إعادة بناء مشهد طبيعي ذي نتوءات بارزة لتشكل عالما قابلا للسكن»، بل وأكثر من ذلك إلى «إعادة خلق عالم واقع تحت الضغط لمقاومة عمليات توحيد المعايير». وتدافع الفيلسوفة في هذا المؤلف عن مشروع «حضاري»، مؤكدة أن «مسألة التحضّر» تعني «انخراط المجتمع المدني، وإشراك المواطنين».

هنا نجد مرافعة قريبة من مارتا نوسبوم، المذكورة في المقدمة. يتعلق الأمر، بالنسبة إلينا، بصوت نقدي يتوافق مع ما حاولنا أن نجعله في إطار الممارسة ضمن مشروع NHNAI الموصوف سابقا، وأيضا مع تأمل يبدو لنا من الأساسي أخذ الوقت الكافي لمعالجته بشكل معمق، فيما يتعلق بعلاقتنا بالتقنية.  

سؤلان سيوجهان هذا التأمل بشكل دقيق:

-      ما الأثر الذي ستحدثه التقنية فينا؟

-      كيف يمكن للتقنية أن تعرض قدراتنا على التفكير للخطر؟

خطورة مكننة العقل

يمكن لChatGPT أن يساعد على إنجاز إنتاج كتابي، لكن ليس دون أن يتساءل عن سبب القيام بهذا العمل. فهل يتعلق الأمر بتنفيذ أمر، أو بتجنب عقوبة، أو باستيفاء إجراء شكلي؟ أم إن الرهان مرتبط بتنمية مهارات البحث عن المعلومات، والتمكن من اللغة الفرنسية، وكذلك التمرن على تركيب عدد من المعلومات؟ يمكن ل IAg، حسب الهدف المرغوب فيه، أن يكون، كما هو واضح، تقنية مساعدة، أو إنها، على العكس من ذلك، مصدر إلهاء، وحتى إفقار واستيلاب.

لنركز على هذه النقطة، مبتدئين بحكاية صغيرة ترجع إلى التاريخ الصيني القديم، وبالضبط من القرن الرابع قبل الميلاد. نقدمها من خلال ترجمة حكاية رواها المفكر تشوانغ تسيو(10)

«بعد أن زار تسه كونغ إمارة تشو، عاد إلى إمارة تسين. وبينما هو يمر جنوب نهر هان، رأى رجلا عجوزا مشغولا بالعمل في حقل خضرواته. كان هذا الرجل يهبط عبر نفق إلى البئر، ثم يخرج بجرة مملوءة بالماء، يسكبها في سواقي تتخلل أحواض مزروعاته. عملٌ مرهق ونتيجةٌ هزيلة. فقال له تسه كونغ:

"لو كانت عندك آلة، لأمكنك بها سقي مائة حوض في اليوم واحد، ألا ترغب في استخدامها؟

-كيف يتم ذلك؟ سأل البستاني وهو يرفع عينيه إلى تسه كونغ.

-آلة من خشب مجوف، ظهرها ثقيل ومقدمتها خفيف، نرفع بها الماء كما لو كان يُسحب باليد، بنفس سرعة فيض المرق من القدر: تسمى هذه الآلة الرافعة"

غضب البستاني، وتغيّر لونه، ثم استهزأ قائلا: "قد تعلمت من معلمي أمرا: الذي يستعين بالآلات يدخل الآلية إلى عقله. ومن أصبح عقله مقنن يفقد نقاء الفطرة، ويفقد بذلك سكينة الروح. وطاو لا يدعم من فقد سكينة الروح. وليس الأمر أنني أجهل فوائد هذه الآلة، لكني سأستحيي من استعمالها."

فأطرق تسه-كونغ، وقد غلبه الحرج، ولم يُجب»

للوهلة الأولى، يرى البستاني أن من الخاطر الجسيمة أن يترك فكره («روحه») يتمَكْنَن بفعل ارتهان مفرط للتقنية. لنحاول فهم ذلك. في الواقع، ما ضرورة أن توكل إلى آلة إنجاز ما يشغل هذا الرجل المسن، الذي يمتلك سلفا ما هو أثمن: «سلامة الروح»؟ أليس في ممارسة البستنة تحديدا، أي في معايشة تجارب علائقية مباشرة مع الأرض والمزروعات التي تنبث فيها، تجد روحه سكينتها؟ كيف يمكنه مواصلة الاعتناء بالأرض والبذور التي يودعها فيها، وأن يرعى كل نبتة على حدة طوال فترة نموها، إذا كان منشغلا بتشغيل آلة توزع بسرعة نفس الكمية من الماء على كامل مساحة الحقل؟ لن تراعي آلة الري ما ينمو في الحديقة، ويمكن حينها أن يعرض المحاصيل للخطر بسبب توحيد السقي وتحويل انتباه المُزارع.

هل تدفعنا هذه الحكاية إلى الشعور بالخجل، بل حتى بالذنب؟ إن التقنية، في واقع الأمر، ليست «سيئة» في حد ذاتها. إنما المسألة تتعلق، بالأحرى، بعلاقتنا بها: فمن ترك فكره يخضع للمكننة هو الذي يفقد سكينة الروح. علينا إذن التساؤل، لا عن كيفية التقليل من التقنيات أو التخلص منها، بل بالأحرى عن كيفية نخصص لها مكانا ضمن تجاربنا العملية والعلائقية، من دون أن نسمح لأرواحنا تصبح ميكانيكية.    

من المتنافر ينشأ الفكر

لنواصل تأملنا مسترشدين بمارتن هايدغر(5) الذي اقترح تأملا معمقا حول العلاقة بين الإنسان والتقنية. في نص محاضرة بعنوان «السكينة» (« Gelassenheit »)، عبر الفيلسوف الألماني عن قلقه إزاء التقنية:

«ما يثير القلق حقا هنا ليس أن العالم يتجه نحو التقني بالكامل. ما يثير القلق أكثر هو أن الانسان غير مهيأ لهذا التحول، وأننا لم نتمكّن بعد من أن نتحاور، على نحو سليم، من خلال وسائل التفكير التأملي، التي تبرز في زمننا، أمام أعيننا، بوضوح»

نقول مجددا، ليست التقنية هي التي تشكل تهديدا، بل بالأحرى علاقتنا بها: وبالتحديد ما إذا كنا مستعدين أم لا للتحول الناجم عن لتقننة العالم. بيد أن هذا الاستعداد لا يمكنه أن يحدث مع نفس الوسائل المساعدة على إنتاج التقنية، أي الفكر الحسابي. لهذا السبب يدعو هايدغر إلى نوع معين من التفكير، يسميه «التفكير التأملي» (besinnliche Denken)، وهو، في حقيقة الأمر، نمط التفكير الوحيد الذي يستحق، في نظره، أن يُسمّى تفكيرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة.

لمساعدتنا على فهم ماهية هذا الفكر التأملي، الذي يقابله ب«التفكير الحسابي» (rechnenden Denken)، يقدم لنا هايدغر (4) التوضيح التالي:

«يقتضي الفكر التأملي علينا ألا نثبت على نوع واحد من وجوه الأشياء، ألا نكون سجيني تمثل واحد، ألا نبقى سجيني سبيل وحيد في اتجاه واحد. الفكر التأملي يفرض علينا أن نقبل التوقف على أمور تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للتوافق.»

إنَّ التوقّف عند أمور تبدو، للوهلة الأولى، غير قابلة للتوفيق فيما بينها، قد يدعونا إلى التفكير في التناقضات والمفارقات في المجال النظري، وفي المعضلات الأخلاقية في المجال العملي. لكن، في حين تسعى العقلانية الحسابية (المنطقية-الرياضية) في الجانب النظري كل ما في وسعها لتجنب ما لا يمكن التوفيق بينه، وذلك بالبحث عن أطر مفاهيمية تفسيرية خالية من التناقضات وأكثر فأكثر توحيداً، فإن الفكر في الجانب العملي لا يمكنه أبداً أن يجد مخرجاً اختزالياً كهذا. إنّ الفكر الحقّ (التأمّلي) هو، إذن، ذلك الذي يمارَس في ممارساتنا ويتعلّق بالأخلاق؛ أي في المجال الذي لا يمكن فيه لأيّ معرفة أن تحدّد، بمفردها، ما ينبغي فعله، بل على العكس من ذلك، نجد أنفسنا منخرطين في مسار تعلّم حقيقي: إذ نكون مضطرّين إلى إيلاء الاهتمام للآثار، والإصغاء إلى ما يحدث على نحو غير متوقّع، واستجلاء ما يتّسم به كلّ وضع من فرادة، وترك أنفسنا نتعلّم من خلال اللقاء مع الغيريّة.

لا يُتَّخذ القرار إلا حين يكون هناك تردّد. ولا يكون هذا القرار «صائبا» إلا إذا انبثق من تجربة إزاحة الذات عن مركزها، أي من تجربة علائقية حقيقية.

من هذا المنظور، تتمثل التربية في قيادة المتربي نحو لقاءات تمكنه من ممارسة الفكر التأملي في مواجهة أمور تبدو، للوهلة الأولى، لا تقبل التوفيق وتدعوه، لهذا السبب، إلى تجاوز أحكامه المسبقة، ومعارفه التخصصية (خصوصا منها الأجوبة الجاهزة التي ينتجها الذكاء للاصطناعي التوليدي)، والانفتاح على الجديد (فماذا سنتعلم دون الاستعانة على غيرنا؟)

الآن ندعو القارئ إلى إعادة قراءة شهادات الطلبة التي عرضناها سابقا، حتى نستمع إلى صدى ما قدِمنا على بلورته من تأملات فكرية.

أولا، فقدان سكينة الروح جراء إسناد مهام إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت تتطلب اهتمامنا، وتقدم نفسها كميادين تعلم حقيقية كان يمكن أن تنبثق منها (بطريقة غير متوقعة بطبيعة الحال) معارف واقعية ضرورية للتقويم والتكوين، وتسهم في إنماء قدرات تأديبية ومواطنة: «صرنا أقل بحثا في التفاصيل»؛ «لم أعد أعرف ما يتوجب علي فعله بنفسي»؛ «لم أعد أعرف كيف أشتغل»؛ «لم أعد أبذل جهدا (...) أن أقوم بواجبي».

ثم إن الوعي بفقدان شيء ما يتطلب فعل التفكير، وبشكل أكثر دقة تفكيرا حقيقيا لا يمكنه الاقتناع بجواب وحيد معياري، وإنما يجعل هذه الأشكال من التفكير المركب ممكنة والتي نربطها بكلمة «نقدية»: «لم نعد محتاجين لنفكر، ولم نعد بحاجة إلى التفكير النقدي ما دامت لدينا إجابة دوما»

 

خلاصة

في نهاية المطاف، يتبين أن التحدي الرئيسي اليوم الذي يواجه الفاعلين التربويين يتمثل في تعلم فن رفض وقبول التقنية، خصوصا تطبيقات هذا الذكاء الاصطناعي التوليدي التي باتت تفرض حضورها في الحياة اليومية للمتعلمين والمدرسين (8).

وبما أن كل محتوى نظري ينشأ دوما من ممارسة تتقدم عليها، والتي هي، في نفس الوقت، مستعصية عن الاختزال إلى معرفة مفاهيمية، فعلينا أن نوجه انتباهنا نحو الأخلاق. لا تتعلق فقط بالأخلاق المعيارية والتنظيمية، التي تأتي مباشرة، من الخارج، لتملي قواعدها على المصممين والمستعملين، وتستمر في تقييم المخاطرة المحددة مقدما. إنها بالفعل أخلاق ميدانية، تضع كل فاعل أمام تناقضات يستحيل التوفيق بينها وتفرض عليه التعلم من خلال الاستماع والانتباه لما يحدث في إطار هذا الهامش الممتد الخارج نطاق معارفنا السابقة(9).    

يتعين على مصممي أدوات الذكاء الاصطناعي، شأنهم شأن مستخدميها، أن يستعدوا للتقنية من خلال استخدامها استخداما معتدلا. يتعلق الأمر بالحيلولة دون أن يصبح الهدف النفعي (للأداة، والتقنية، والذكاء الاصطناعي) هدفا مهينا، فيزيح الأهداف الأخرى الممكنة، التي يتّسع مداها إلى حدّ أبعد بكثير. ينتج هذا حين يجعل المصمم من المستخدم وسيلة لخدمته، بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي يضعه تحت تصرفه، أو أن المستعمل يجعل نفسه في خدمة الذكاء الاصطناعي، منقطعًا بذلك عن طرائق أخرى للفعل، وخاصة تلك التي تتطلب منه انتباها وتعبئة قدراته التوليدية الخاصة.

نذكر، في الأختام، أن هناك أهدافا أخرى، لا تنحصر فقط في المنفعة، تحكم في صميم الممارسات الإنسانية، وتعوقنا دون الاقتناع بالعلاقات الأحادية الاتجاه، والتخلص من التفكير التأملي. تعبر الكاتبة الأسترالية المولد كايت كراوفوود(2) عن ذلك في كتاب يعد مرجعا في هذا المجال:

«ليس الذكاء الاصطناعي تقنية حاسوبية موضوعية، كونية أو محايدة، تتخذ قراراتها من دون توجيه إنساني. فأنظمته متجذرة في العالم الاجتماعي، والسياسي، والثقافي والاقتصادي، وتتشكّل بفعل البشر والمؤسسات والمقررات التي تحدد ما يقومون به وكيف يقومون به.»

ولتحقيق هذا التوجه الإنساني، من الضروري إيجاد بوصلة ملائمة للرهانات الكونية لزمننا هذا، وتعلم كيفية الاهتداء بها من خلال الممارسة.

 المصدر: 

Article issu d’une présentation réalisée dans le cadre de École d’été 2024 de la Chaire UNESCO

Éthique, Science et Société « L’intelligence artificielle, un outil au service de la santé et de l’éducation ? », 8 et 9 Juillet 2024, Toulouse.

ابيبليوغرافيا:

(1) BENSAUDE-VINCENT B. – Les vertiges de la technoscience. Façonner le monde

atome par atome, La Découverte, Paris, 2009.

(2) CRAWFORD K. – Contre-Atlas de l’Intelligence Artificielle, Éditions Zulma, Paris,

2002, p. 245.

(3) FREEMAN J. – Student generative ai survey 2025. Higher Education Policy Institute:

London, UK, 2025.

(4) https://www.universityworldnews.com/post.php?story=20250228175423255

(5) HEIDEGGER M. – Sérénité, dans Questions III, Éditions Gallimard, Paris, 1966.

(6) MEYER M., VANVELTHEM L., MOREAU J-L. et KOZLOWSKI G. – Sens de

l’organisation ou organisation du sens ? CFS asbl., 2024, https://ep.cfsasbl.be/sens-del-

organisation-ou-organisation-du-sens

(7) NUSSBAUM M. – Les émotions démocratiques. Comment former le citoyen du XXIe

siècle ? Flammarion, Champs essais, Paris, 2020, p. 10.

(8) LAURENT N., GIORGI F., GUILLERMIN M. – Dire oui et non aux outils

d'intelligence artificielle pour préserver la relation de soin. Ethica Clinica, 2024, 113,

11-25.

(9) LAURENT N., GIORGI F., GUILLERMIN M. – Une indispensable réflexion éthique

en amont de l’utilisation de l’IA dans le domaine de la santé. Soins Cadres, 2025, 9077,

157, 40-44.

(10) TCHOUANG-TSEU, L’OEuvre complète, XII « Ciel et terre », dans Philosophes

taoïstes, Unesco et Éditions Gallimard, Paris, 1980, p. 170.



ما رأيك في هذا المقال؟ 💬

ساعدنا في تطوير المحتوى عبر مشاركة تقييمك وملاحظاتك الفكرية أو التربوية:

ما رأيك في هذا المقال؟ 💬

ساعدنا في تطوير المحتوى عبر مشاركة تقييمك وملاحظاتك الفكرية أو التربوية: