ترجمة:
نورالدين البودلالي
بقلم:
Nathanaël
LAURENT. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),
Université de
Namur, Belgique. nathanael.laurent@unamur.be
Federico
GIORGI. Institut de recherche « Espace Philosophique de Namur » (ESPHIN),
Université de
Namur, Belgique. federico.giorgi@unamur.be
Mathieu GUILLERMIN. UR CONFLUENCE : Sciences et Humanités (EA 1598), LyonCatholic
University, France. mguillermin@univ-catholyon.fr
إنسانية جديدة في زمن علم
الأعصاب والذكاء الاصطناعي
المكانة
المتزايدة التي يوليها مجتمعنا الحديث للتكنولوجيا (ولتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
خصوصا) وللمعارف النظرية التي تقوم عليها، يمكن اعتبارها كدعوة إلى التفكير في
طريقة الكينونة كإنسان في زمن يماثل زمننا. بهذا يبدو سريعا وكأن العلاقة بين
الحرية الإنسانية والمعارف والتكنولوجيات المستحدثة تنطوي على مفارقة بالغة.
لقد
ذكرنا أن كل إنتاج علمي وتقني يتجذر في ممارسة أولية لا يمكن، من ثم، أن تكون خاضعة
خضوعا كليا للإشراف والمراقبة التامين باستخدام وسائل نظرية. فهذه
الممارسات التي تسبق المعارف المفاهيمية، والتي نؤطرها بسرعة متفاوتة داخل نماذج
إرشادية، هي قبل كل شيء فضاءات لتجريب الحرية الإنسانية. ما يتم تدشينه بواسطة
أفعال حرة جريئة، في قلب لقاءات حقيقية مع المجهول، يثبت فيما بعد بشكل تدريجي
ضرورته الخاصة من خلال اعتماد منهجية صارمة تستهدف القابلية للتكرار. إن توحيد نمط
الممارسات (العلمية منها على الخصوص) وفق هذا النوع من العقلانية يؤدي في الغالب
إلى تمثلات أحادية المعنى للعالم ولأنفسنا. وهكذا، لا تضعف الحرية الإنسانية فحسب
في خضم وسط موحد بشكل متزايد، بل يصبح البشر أنفسهم كائنات قابلة للتلاعب، ومستَغلين
من طرف هذه العقلانية الميكانيكية التي تفرض نفسها بلا توقف.
تبرز هذه الوضعية المفارقة
الحاجة الملحة إلى استكشاف عميق لمفهوم الإنسانية، أي ما يعنيه أن يكون المرء انسانا،
إذا أردنا، من ناحية، معالجة مختلف التهديدات التي تشكلها التقنيات الحديثة -وعلى
رأسها اليوم الذكاء الاصطناعي- على الحرية الإنسانية، الاستمرار، من ناحية أخرى،
في الاستفادة من الفرص التي تجلبها هذه التقنيات للإنسانية ولمجموع الكائنات الحية
الأخرى التي تتقاسم موطننا الأرضي.
مشروع «الإنسانية الجديدة في زمن علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي» (NHNAI) مشروعٌ بحثي وعملي ينخرط بشكل كلي في إطار هذا المسعى الهادف إلى
البحث عن المعنى الواجب إضفاؤه على الإنسان.3، ويهدف إلى تقوية القدرات الجماعية على
التوجيه الأخلاقي.
لا
يمكن تناول المسائل الأخلاقية والمجتمعية المرتبطة بالتكنولوجيات الجديدة فقط من
وجهة نظر الخبرات التقنية والعلمية وحده، لأن تبني هذا المنظور على وجه التحديد هو
ما يدفعنا إلى إضفاء الطابع الاصطناعي على بيئتنا
المعيشية، وتوحيدها ونمذجتها،
وبالطبع إضفاء الطابع التقني عليها، وربما إلى حدٍّ مفرط، وهو ما يجعلنا، بطبيعة
الحال، نُخضع منظومتنا البيئية الكوكبية لعواقب ذلك. بذلك، لا
يمكن للأجوبة أن تكون تقنية بحثية، بل يجب أن تعبر أيضا عن انخراط سياسي (يهتم
بالأبعاد الجماعية للعلاقات بين البشر وبغير البشر) وتسهم في البناء المشترك لطرق
جديدة العيش الجماعي.
تشكل
الإنسانية الجديدة في زمن علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي
أصالة تتمثل في إثارة الحوار بين مواطنين وشبكة من الخبراء في تسع دول موزعة
على خمس قارات. المشروع المدعم، منذ 2022، من قبل ثلاثة عشر شريكا (من بينهم عشر
جامعات، وما مجموعه سبعة وعشرون باحثا مشاركا بصورة مباشرة) يمثلون تسع دول، يركز على
المحاور الثلاثة الآتية: التربية، الصحة والديموقراطية. ويعطي هذا المشروع الأولوية
لمقاربة متكاملة تسمح بظهور بوجهات نظر مختلفة، ذات صلة وأهمية، حتى وإن بدت متعارضة
وتولدت عنها توترات. وكما سنبين لاحقا، فإن هذا البعد الصراعي بالتحديد، يمكن أن سيساعد
كل فاعل مجتمعي على الوعي بتعقد الموضوعات المطروحة، وأن يكون بذلك أكثر استعدادا لمواجهة
هذه القضايا والتعامل معها. ومن ثم يهدف مشروع الإنسانية الجديدة في زمن علوم
الأعصاب والذكاء الاصطناعي إلى تحفيز الانخراط ضمن استمرارية للقاءات المواطنة
التي يتم تنظيمها.
وعلى
سبيل المثال، قام الشريك البلجيكي في مشروع NHNAI، في أبريل
2024، بجمع نحو أربعين طالبا داخل جامعة نامور، ودعاهم إلى تقاسم خبراتهم ووجهات
نظرهم المرتبطة بظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسات الطلابية. بعد
تقسيمهم إلى مجموعتين، اتيح الطلبة فرصة التعبير عن آرائهم خلال عدة جولات من
النقاش تناول، تلى التوالي، بتجاربهم، وتساؤلاتهم وشكوكهم، واحتياجاتهم من المعلومات
والفهم، و أخيرا آرائهم الشخصية.
تؤكد
الغالبية العظمى من المشاركين أنهم يستعملون واحدا أو أكثر من تطبيقات الذكاء
الاصطناعي التوليدي، وذلك في مجالات مختلفة. إنها تساعدهم على ربح الوقت وتثير
إعجابهم بقدرتها على الإجابة على طلبات محددة ومتنوعة. وقد أصبحت تشكل، على نحو
متزايد، وسيلة مساعدة شائعة متزايدة في الدراسة والمراجعة، كما تعمل كمصدر للإلهام
تحفز الإبداع. وقد أشار الطلبة إلى أهمية تعلم طريقة استعمال هذه الأدوات الجديدة.
ومع
ذلك، بالنسبة إلى بعض الاستعمالات، تبرز توترات بين الفوائد وبين الحدود أو
المخاطر التي تنطوي عليها. فبالنسبة لمجالات الترميز، والمساعدة على الدراسة،
والتصميم الغرافيكي، والبحث عن المعلومات، والفهم العميق لمادة ما، تقابل هذه
الحدود، على هذا النحو، والفوائد المذكورة وتحد من أثرها.
«أما
أنا، فأستخدم ChatGPT، بل كثيرا جدا في الغالب. أستخدمه بانتظام لأنني
لا أذهب للفصل كثيرا. وأستخدمه كأستاذ خاص. لأعطيه شرائحي، وأطلب منه شرح هذا
المبدأ. وهو يقوم بذلك بشكل رائع حقا. لكني فيما بعد وضعت على نفسي سؤالا. البارحة،
مثلا، كان لGPT مشكلة مع الخادم. ولم أعرف، أنا بنفسي، ما يمكن
فعله. لم أعد أعرف كيف أعمل بمفردي. وقلت اللعنة لقد أصبحت كسولا جدا، لأنني...
أستخدمه كثيرا. كان الأمر مخيفا تقريبا»
«أتفق
مع هذا السؤال، لكن ليس بعلاقته مع المجهود الذي نقوم به. وكما قلت منذ برهة، لم
أعد أقم بأي جهد للبحث عن أمور على الأنترنيت أو القيام ببحوثي الخاصة»
«بالنسبة
لمن يلجون السنة الأولى، والذين عليهم تعلم مفاهيم أساسية حقا، وإنجاز مشاريع يمكن
لChatGPT القيام بها من ألفها إلى يائها دون أي مشكل يذكر، فقد يكون الأمر
إشكاليا. تأتي وتقوم بمشاريعك من دون أن تعلم أي شيء، وهذا مؤسف حقا، وأعتقد أنه
بالفعل أمر خطير وأن العمل بالمنزل، تبعا لذلك، سيصبح مشكلة.»
خطر
الادمان يدفع بعض المشاركين إلى استشراف المستقبل: إذ تبرز التساؤلات الرئيسية من
منظور المستقبل. وهي تتعلق، بوجه خاص، بمدى تأثير الاعتماد على الذكاء الاصطناعي
خلال التكوين في المهارات المهنية.
«وإذا توقف كل
شيء فجأة في غضون 10 سنوات القادمة، ماذا سنعمل، علما أننا هكذا تلقينا تعليمنا جميعا،
إذا جاز القول، من خلال استخدامه في دراستنا»
«وإذا ماتوقف كل شيء فجأة، في العشر سنوات القادمة، كيف
سنتمكن من تدبير الأمر دون... فأنا أرى أننا سنفقد فهم الأمور، لأننا سنقلل من
البحث في التفاصيل، ونحن نعرف أننا نمتلك هذه الأداة إلى جانبنا»
كما
أبرزت النقاشات المشاكل المرتبطة بموثوقية الذكاء للاصطناعي، وعجزه عن تعويض الفهم
الإنساني، والتفكير والمعرفة التجريبية.
«بالنسبة
لي، من أكبر مخاطر الاعتماد عليه أنه إذا ستعملنا ChatGPT كبديل عن التفكير، فإننا في النهاية لن نفكر بعدُ. لن نعود في حاجة
للتفكير، ولا إلى إعمال العقل بطريقة نقدية، ما دمنا نمتلك الجواب. بالنسبة لي،
هذا خطر.»
«بالنسبة
لي إنه مدعاة لخوف كبير (...). يصبح من السهل جدا استبدال الفكر. هذا مريح جدا، وجد
عملي. نحن نتجنب التفكير»
في بقية المقال، نقترح التراجع خطوة إلى الوراء والتفكير في بعض القضايا التي أبرزها الطلبة المستعملون للذكاء: التوتر بين المزايا والمخاطر، والاعتماد، وفقدان التعلم، ومراجع الحاجة إلى التفكير
المصدر:
Article issu d’une présentation réalisée dans le cadre de École d’été 2024 de la Chaire UNESCO
Éthique, Science et Société « L’intelligence artificielle, un outil au service de la santé et de l’éducation ? », 8 et 9 Juillet 2024, Toulouse.
ا
(1) BENSAUDE-VINCENT B. – Les vertiges de la technoscience. Façonner le monde
atome par atome, La Découverte, Paris, 2009.
(2) CRAWFORD K. – Contre-Atlas de l’Intelligence Artificielle, Éditions Zulma, Paris,
2002, p. 245.
(3) FREEMAN J. – Student generative ai survey 2025. Higher Education Policy Institute:
London, UK, 2025.
(4) https://www.universityworldnews.com/post.php?story=20250228175423255
(5) HEIDEGGER M. – Sérénité, dans Questions III, Éditions Gallimard, Paris, 1966.
(6) MEYER M., VANVELTHEM L., MOREAU J-L. et KOZLOWSKI G. – Sens de
l’organisation ou organisation du sens ? CFS asbl., 2024, https://ep.cfsasbl.be/sens-del-
organisation-ou-organisation-du-sens
(7) NUSSBAUM M. – Les émotions démocratiques. Comment former le citoyen du XXIe
siècle ? Flammarion, Champs essais, Paris, 2020, p. 10.
(8) LAURENT N., GIORGI F., GUILLERMIN M. – Dire oui et non aux outils
d'intelligence artificielle pour préserver la relation de soin. Ethica Clinica, 2024, 113,
11-25.
(9) LAURENT N., GIORGI F., GUILLERMIN M. – Une indispensable réflexion éthique
en amont de l’utilisation de l’IA dans le domaine de la santé. Soins Cadres, 2025, 9077,
157, 40-44.
(10) TCHOUANG-TSEU, L’OEuvre complète, XII « Ciel et terre », dans Philosophes
taoïstes, Unesco et Éditions Gallimard, Paris, 1980, p. 170.