التربية
البروميتية
لاتزال التربية
ميدانا يحتل مكانة مركزية في حياتنا اليومية رغم الاختلافات أو الإشكالات أو
الأزمات التي تعزى إليها. إنها لاتزال في قلب تنشئتنا الاجتماعية وانخراطنا في
مجتمعنا، لكنه من الواضح أن عودةً إلى هذه المبادئ، وهذه الأسس، قد أصبح ضروريا.
والأزمة التي تعاني منها التربية الحالية تدعونا أن نجدد اتخاذ موقف إزاء العلاقة
مع هذا الوقع، كما تشير حنا أردنت إلى ذلك([1])،
ونعود إلى طرح ذات الأسئلة. أسئلة تنم عن أجوبة جديدة، إذ الاحتفاظ بالأجوبة
الراهنة والاكتفاء بها أو تنقيحها من جديد، يبعدنا أكثر فأكثر عن الأسئلة الأصلية
التي لم تعد ذات صلة بالنظر إلى الوضع الحالي. لا يمكننا إذن بالتأكيد الإجابة
بأفكار جاهزة، بالاعتماد على حلول وإصلاحات متراكمة، بل علينا التساؤل من جديد،
العودة إلى الأسئلة الأصلية والنظر فيما يعرض علينا، مع التركيز على التجربة
الواقعية([2]).
يتعلق الأمر بالكشف عما يوجد هنا بالفضاء التربوي، جعل هذا الحاضر مدركا باعتباره
يبدو على السطح ويشتغل في العمق([3])،
لكن من الممكن ادراك همساته التي تدعونا الى إعادة اكتشاف كل شكلٍ اجتماعي.
ذلك أن التربية
تعبر بالفعل عن نمط اجتماعي بفعل العلاقة التي تحكم الأفراد، والأزمنة والأمكنة،
التي تنشأ في خضم علاقات التضامن. إلا أن هذه لم تعد تطابق البتة الفكرة الحالية
عن تربية مثالية ومجردة يُسندها منطقها الخاص؛ التربية التي، كما نلاحظ اليوم،
تنهار بشكل طبيعي لعدم ارتباطها بالجماعة. فنحن بالفعل أمام تربية أقيمت خلال
العصر الحديث إبان البحث عن حضارة مثقفة لكنها أهملت جميع الجوانب الطبيعية،
والزمنية، والحساسة، والإنسانية للمجتمع. إننا، كما يشير جورج شتاينر، لا ننفك
نواجه صراعا مستميتا ضد «أسطورة القرن التاسع عشر»([4])
الذي يأخذنا نحو هذا البحث عن التربية المثالية، وتكافؤ الفرص، الليبرالية و
الجمهورية. في نهاية المطاف تستمر هذه المدارس المثالية وتزدهر محتمية بالأحياء
والشباب الذين تتزايد نسبة تهميشهم وإقصائهم من المجتمع([5]).
إن تربية تماثل همجيتنا ومعتقداتنا الجوفاء توافق إلى حد
كبير التربية العاطفية والبورجوازية لفلوبير.
حقا، إن
تربيتنا الحديثة تتوافق و أسطورة بروميثيوس، تلك المتعلقة بوهب النار للبشر،
بمنحهم سر الآلهة. نستمر محصنين في هذا البراديغم الحديث وفق منطق العقل ووهب تلك
النار، يحكمه حبٌّ متعاليٌّ للتعليم وللمعرفة. تستند أسطورة بروميثيوس على الأيام
المسعِدة lendemains qui chantent([6])،
هي أيديولوجية للتقدم لا تهتم بالأعماق ولا بالظلال التي تسيطر على التجمعات
كالساحات المدرسية التي تعد أيضا أماكن اضطرابات. كانت هناك محاولات غير مثمرة
لمكافحة التعتيم، لكن حدته زادت في النهاية، نتيجة التشبع الذي قادنا سرا إلى
تكوين ما بعد حداثي. في هذا المسعى نحو المستقبل والتقدم، فُرضت النار لكنها لم
تُعاش. هكذا كوّنا الراشد الأبيض والمتحضر، من خلال بيداغوجيات وضعية، جاعلين هذا التكوين
ترويضا تقنوقراطيا، وظيفيا، وبراغماتيا، لكن، بشكل تلقائي،
ظهر الوجه الآخر عند البحث عن الحلم، وانقلبت
السلطة الحيوية إلى آفاق متوحشة للحرية([7]).
في وقتنا الحالي، تتعايش العديد من الأساطير التأسيسية:
إذ التربية الحديثة لاتزال مستمرة في أيديولوجيتها البروميثيسية للقرن التاسع عشر
التي تحتم على الأطفال المرور من المدرسة المجانية والاجبارية بغية تحقيق نمو
مثالي لمجتمعاتنا التي يختار فيها كل واحد منا طريقه في انتظار النهايات المفروضة.
وكما وضح ذلك جيلبير دوراند فإن: «بروميثيوس الحر مقيد بالسلاسل، يلتهمه نسر التنظيمات. ولا يزال هذا
التفردية الشمولية مسيطرة بعد ما يقرب من قرنين من الزمان... على هذا الكم الهائل
من مؤسسات بيداغوجيتنا([8])».
الواقع أننا نُكوّن الشخص في غيابه، حيث أن التلميذ، من حيث
البنية العامة،
غائب عند الاعدادات التربوية، هيكلٌ نبنيه وفق ما سيكون لا بحسب ما هو كائن الآن. يواصل
التلميذ دراسته وهو فار منها، غير مندمج فيها، ذلك لأن التجارب، والمعارف،
والتقييمات ليست لها بالنسبة له أي معنى في حاضره، إنها تتوافق وانتظارات الأستاذ،
والنظام، والمجتمع الحديث بمعنى أحادي الاتجاه. ولا يؤخذ التلميذ بعين الاعتبار في
كليته، إنما يعتبر كنصف راشد. يصبح إسقاطا للراشد المثالي، حيث يكون المأمول فيه
هو ما يحققه في المستقبل، بفضل مسيرته المهنية وشواهده المتنوعة، ويكون ثمرة
تضحياته ومجهوداته لقرابة عشرين سنة أو أكثر. من دون شك أنه لم يتم بلوغ هذا
المثال أو اليوتوبيا الخاصة بالمدرسة ولن يتحقق أبدا، بالتأكيد، بالنسبة للجميع
لكونه مبني على تجانس واقع معقد ومتنوع. ووفق هذا التصور الحديث تعتبر التربية
نفسها ذات قدرة كلية، فردية، تحبس نفسها في مجالها الخاص دون أن تسمح لأي كان
بالنفوذ. وبهذا أصبحت بذلك الوحش الذي لا يقهر golem، آلة دون روح، مشوهة ومتوحشة فرت من يد الخالق. هذه التربية ذات القدرة
المطلقة وحشٌ تجري خلف الزمن عبر مسار
تكويني تنافسي. إلا أنه مع قابلية هذه
التربية الحديثة للارتداد، في المقاربة الغير مرئية أو المتكتمة للتكوين المابعد
حداثي، تبرز أسطورة تأسيسية أخرى ألا وهي: الديونيزياكية dionysiaque. هذه أسطورة ترتبط بالعمليات والحالات المزاجية، بالأعماق التي
تشكل جزءا من الأماكن ومن تعلم الأشخاص. إنها تحيلنا على معنى طبيعي، حساس وسهل
الاستعمال خاص بالتربية، كفضاء للتنشئة الاجتماعية.
اقرأ أيضا:
جينيولوجية السلطةوالمؤسسة التعليمية: المراقبة والمعاقبة
رحلة التكوين المابعد حداثي
يأخذ التكوين
كسفر، في إطار هذا التعايش بين الأساطير، مدلولات مختلفة. ذلك أن التربية الحديثة ينظر
إليها اليوم كرحلة، كمرحلة عبور لابد من تجاوزها، يكون فيه السباق وراء الزمن ساحة
المعركة. وغالبا ما تتصور التربية على اعتبارها رحلة لا تُعاش بل تُتجاوز. هي
مراحل لابد من تجاوزها، لكونها مراحل عبور لابد من تحمل مشاقها على أمل الوصول إلى
الهدف، الوظيفة، والشهادة. ورغم ذلك فالرحلة رمز للبدء([9])،
بحث عن الذات، عودة للمركز، إنها بحث عن الكنوز الروحية لا الكنوز الملموسة كما
تحاول تربية اليوم إيهامنا به. أسطورة الرحلة إنما تعاش في المسافات المقطوعة،
كحال أوليس، الإليادات، سفرات الحج، بنتاغروييل، حيث تتشابك الحياة اليومية،
والغرائبي بل وحتى اللاوعي. فكما هو الحال بالنسبة لرحلة جول فرن Jules Vernes إلى باطن الأرض، حيث أن باطن الأرض هذا كالمصفوفة، كالمتخيل الذي
يوجد بفضل عملية البدء هذه، والتي لا يكون الوصول غايتها الوحيدة بل التكوين الذي
ينبني عن طريق المسافة المقطوعة.
إلا أن الرحلة
التي تقترحها التربية ليست أولية، ليست بحثا عن الذات، ولا عودة إلى الأرض الأم،
إنها بالأحرى إسقاط تجاه غاية، ووِجهةٌ نرغب فيها دون أن نعرف لماذا. جنة الخلد
التي نريد الهبوط فيها دون أن نجرب الرحلة، نتجنب الإحساس بالخوف، هذا المسار
المجهول الذي يجعلنا وجها لوجه أمام الموت. هذا، إلا أن الرحلة الأولية تعاش،
تُحس، تمتد و لا يكون الهدف مسعاها، بل بالعكس إنها في حد ذاتها السعي. إن رحلة
التربية الحساسة الما-بعد الحداثية ابتدائيةٌ وذلك حتى تعيد اكتشاف الكنوز الروحية
لكل واحد، إعادة عيش هذه الأساطير المرتبطة بالرحلة كأسفار تعاش، تحس، تختبر في
غموضها الكلي، في أحزانها وأفراحها. لا نبحث عن الوجهة التي نحلم بها بل عن هذا
المسار اليومي الذي نخوضه رفقة الأستاذ والوسيط والمرشد إلى هذه السبل عبر
الممرات، النقط الأربعة الأساسية للأفق والوجود. إنه الوسيط بين العوالم المختلفة
التي يعبرها الأشخاص الذين يتكونون خلال هذه الرحلة التمهيدية.
مذاك يصبح
لزاما على التكوين الدعوة إلى زمن آخر، إلى ألا يندفع نحو غاية ما، وإنما إلى
تكوينٍ يتم إبَّان اللحظات الراهنة، إلى المغامرة، اليومي، السفرات باعتبارها
اللحظات الحقيقية للتعلم. يضعنا هذا في خضم بعد ينفلت منا، رهن استعدادات عمياء
وروابط جديدة. ولأن الحاضر تكثيف، فهو جسمي وشهواني، إنه زمن الخلائط والاندماجات([10]).
وتشكل حالات التكثيف هذه، وهذه الخلائط الجو العام، الذي تصدر عنه تدفقاتٍ فتشكل
طاقة حيوية. وعليه كنتُ قد اقترحت كلمة مولَّدة بمعنى التكوين الملتحم formance، تكوينٌ يتم في جو يسمح للشخص بالتكوين بشكل فردي دون أن يفك
ارتباطه مع الجماعة في ظل العيش المشترك. يقود مفهوم التكوين الملتحم إلى التكوين
في الحاضر، من خلال فترات فاصلة، الوقت الأفضل kairos، حيث يؤخذ كل من الغريزي والبديهي بعين الاعتبار ضمن حركة عضوية.
إن الشخص، في إطار هذا الميل إلى الحضور، يستمتع بوقته، يشارك في نشاط مرن، مناخ
محلي، وذلك بالحث على تكوين يقوم على رد فعل مشترك كما يقول تيلار دي شردان. الأمر
إذن يتعلق بتكون ملتحم فعلي، تكوين يسهل جوه العام تعلما مفعما بالتعايش والتواصل.
جعل التكوين
انطلاقا من الآني موضوع تفكير، يعني السماح بأشكال جديدة من التآزر، من التنشئة
الاجتماعية في التعبير عن المستقبل
لا يتم إلا من خلال الحاضر، الحاضر
الذي يصبح كثيفا، ويصبح اللحظة السليمة، التي نقوم فيه بالشيء الصحيح في الوقت
الصحيح kairos. عندها
يمكننا أن ننظر إلى التربية كطية، عدد كبير من الطيات([11])
التي تعطي حجما سميكا لفضاء الحياة اليومية، حيث تشكل الأحداث الواقعة توافقات
ومعارضات دون ضجيج. يتضمن كل حدث حدثا
متماثلا آخر، وتتوحد كلها في نفس
الحركة، نفس الطية المشكلة للحياة العضوية. لذلك يمكن فهم التربية كحركة لولبية
دائمة يتمسك كل واحد بكل لحظة وتساهم لحظات كل شخص التاريخية في لحظات الجميع.
فتنة التكوين المتجددة
إذا سعت التربية جاهدة إلى تنشئة الشخص تنشئة اجتماعية، من خلال تربية اختزالية، انفصالية، تفرض ايقاعا عقلانيا على المعارف التي لا علاقة لها تماما مع الحياة، فإنه من الصعب حدوث اندماج سهل. ذلك أنه في هذا النظام لم يعد الكائن والمجتمع حيث يعيش يحتلان الصدارة، إنما الصدارة هي لاكتساب المعارف الأساسية والمحددة. لم يعد هناك أيه علاقة تماثل، لم تعد هناك أية مشاركة كوسمولوجية. في هذا الاتجاه تذكرنا ميرسيا إلياد([1]) بأن لا نبتة هي ذات قيمة عليا في حد ذاتها، وإنما فقط في مشاركتها ضمن نموذج أصلي وضمن كيان. الكائن هو الآخر قيمته تكمن في مدى مشاركته في نموذج أصلي، وعلاقته بما يحيط به وبالكوسموس. لهذا تكون للكائن قيمة ثمينة عند مشاركته في الحياة الاجتماعية، حيث يقيم كل واحد علاقات وفقا ل«مراتب الحب ordo amoris»([2]) على إيقاع جماعي، في تناغم مع الكل. فالشخص يشارك في التربية من خلال شراكته المتناغمة في تشكيل الكائن المتوافق مع الكل، حيث تشكل كل لحظةٍ، كل حدثٍ الفضاءَ. لم يعد للتربية الحديثة الحالية سبب للوجود ولم تعد تساير المناخ العام الحالي للمجتمع. وكما يقول إدغار موران «يتعلق الأمر بفهم فكرٍ يفصل ويختزل بالاستعانة بفكرٍ يميز ويربط»([3])، أي أنه يتحرر من هذه العقلانية المشوَّهة والمشوِّهة، لتكوين الأشخاص في كليتهم.
وعليه فإن التربية الراهنة مخيبة للآمال، لكونها تكوّن أشخاصا عقلانيين موجَّهين فقط نحو مستقبل معين، نحو مجتمع مثالي، وتقصي كل المظاهر الحساسة والعاطفية والمعتادة والمخوفة، بل وحتى الخرافية التي تحيي مخيلات الأشخاص. قد أصبحت التربية مخيبة للآمال لكونها ابتعدت عن مركزها، عن أصلها الأسطوري المتمثل في توحيد الناس المتوافقين مع المجتمع. عليها أن تتجاوز هذا الانقسام ما بين تكوين الشخصية في كليتها والتعليم العقلاني الذي تقدمه التربية الحديثة، أن تتجاوز ثنائية الأستاذ والتلميذ وتعيد التفكير في العلاقة المتميزة التي تقودنا إلى ضرورة التعاون والتضامن. فعلاقة الأستاذ والتلميذ غير الصراعية من شأنها أن تؤدي بطبيعة الحال إلى وحدة الناس، إلى تنشئة اجتماعية عاطفية وأخوية، في علاقة تعليمية ودية، والتي هي في نهاية المطاف لقاء بين عدد من الأشخاص.
تقوم هذه المقاربة على تصور أولي يتمثل في الكشف على ما هو موجود في الهُنا من قبل، على إمكانيات الفرد، ما عنده من كنوز، وفق نظام المعطى وليس نظام المبني الذي يضخ المعرفة ويفرضها في غياب التلميذ، كما تتمسك بذلك الرؤية التربوية الحديثة. مقاربة التربية الما-بعد حداثية أو بالأحرى هذه العودة إلى العملية الأولية للتنشئة الاجتماعية هي في عداد التحقق، على هامش التعليم الرسمي، من قبل عدد قليل من الأساتذة الساعين لتقديم دلالة مغايرة لعملهم. هذه البدائل، التي يقدمها بطبيعة الحال هؤلاء الأساتذة الذين سميتهم معلمي الخفاء، هي مستوحية من الملك الخفي لميشيل مافيسولي، هي بدائل تبدو وكأنها جداول مياه جوفية، احتياطي من المياه العذبة، بفضل هذا البعد المكثف والمؤثر الذي يسمح بالحفاظ على وحدة أوثق وأكثر تماسكا للمجتمع. علينا أن نكون حذرين مما يحدث بمؤسساتنا بشكل مباشر وما يحدث بين المجموعات التي توثق العلاقات فيما بينها، فهي تبرز نوعا آخر من التفكير وخوض خبرة التكوين، نوعا آخر من الوجود، لا كمواجهة وإنما كوجود يومي أفضل رفقة الآخرين.
من هذه الأشكال الجديدة من التعلم التي يقدمها معلمي الخفاء، المحادين للعمليات الأولية، ينكشف بعدٌ عاطفي، مكثف ويعتمد العمل عن قرب. هذا التكوين الملتحم، من قبل معلمي الخفاء هؤلاء. يُقدَّم وكأنه تيار معاكس، لايزال يشكل أقلية بالتأكيد، إلا أنه يظهر وكأنه موجة في أعماق المياه الهادئة التي تنعش التربية مجددا. إنهم هم الذين يعملون في قلب التربية بلا ضوضاء وإنما يقدمون التربية و يجددونها، من خلال فترات فاصلة، لحظات فضيلة، اللحظات السحرية التي تساهم فيما يسميه ميشيل مافيسولي([4]) ابتهاج العالم المتجدد. إنهم يعملون على إعادة البهجة إلى التربية، التكوين، بل للمعرفة نفسها، من خلال استرداد مبدأه في التنشئة الاجتماعية، في البناء الاجتماعي الذي يشارك في نظام بيئي حقيقي.
إننا في قلب حركية فعلية، وتشكل هذه المحاولات التي يقوم بها معلمو الخفاء أرضا خصبة للمستقبل([5]). إنهم يساهمون في عودة البعد الحساس للتكوين وللعلاقات الاجتماعية. هذا التكثيف اليومي الذي يظهر واضحا في الفضاءات التربوية إنما يرجع إلى هذا المناخ الجمعي المتولد من أجل العيش الحسن، ومن أجل رفاهية العيش، ينشر مناخا محليا عاطفيا يعزز هذه التنشئة الاجتماعية الحساسة.
العيش مع
لذلك، فإن التربية الما-بعد حداثية، في خضم روح التنشئة الاجتماعية، تُعلمنا العيشَ بقدر الإمكان مع الآخر، مع محيطه، في جو مماثل. أصبح بالإمكان استيعاب أن الحياة دعوة مستمرة للتفاهم والتواصل مع الآخر، مع الأشياء، مع الأحداث، من حيث أنها روابط تصلنا بالفضاء الخارجي، بالكون. هذا يجعلنا ندرك طبيعة علاقتنا مع العالم وطبيعة مساهمتنا في المجتمع. «حب العالم amor mundi»، كما يسميه ميشيل مافيسولي، سيكون المُبرِز لهذا المتخيل الذي يكوِّن أجواء الفضاءات المدرسية، في وضعية توافقية غير متعارضة، لتعامل خيِّر مع الآخرين من خلال التكيف مع الذات. فالتربية هي إحدى المراحل، الأساسية بالتأكيد، التي تيسر لنا فهم أنفسنا و التواصل مع الآخرين ومع العالم. التربية مجال مخصص لربطنا في علاقة مع الآخرين من أجل فهم مجتمعنا والعلاقة التي نقيمها معه. إنها أكثر من أي شيء عيشٌ مع أو تعايشٌ، أي العيش مع هذا المجتمع، هذا العصر الذي يترك أثره فينا، خلال هذا التعلم المشترك. نندمج مع الآخر، مع الكون، ليس عن طريق الانفصال، ولكن، على العكس من ذلك، بواسطة الوحدة مع المحيط، بتقبل هذا الجزء المشترك والقابل للتعايش من الحياة. وبهذا فالتربية مجبرة على التخلي عن هذه الرغبة الطوباوية في الحفاظ على المؤسسة المثالية وأن عليها أن تموضع نفسها في صميم اليومي، أن ترتبط بالمجموعة، بالقبيلة، بالانتماء، حيث يتم التأقلم بشكل جماعي مع هذا الكل، التكيف على قدر الاستطاعة مع هذا العالم-الهنا. إن كانت الحياة هي عبارة عن علاقة مستمرة، فالتربية هي جزء من هذه العلاقة بالأشياء، بالمعارف، بالأحداث، بالأشخاص وبالحياة. وبذلك يمكننا فهم الحياة في حد ذاتها كزواج دائم، تزاوج matrimonium([6])، مما يعني وجود علاقة، تقبل العيش مع الآخر في السراء والضراء، مع الآخرين. هذا يجعلنا نمر من تربية عقلانية إلى تربية تترك صدى بين الناس، في حياة اجتماعية ومع الكون.
يمكن لهذا الصدى أن يكون مماثلا لتلك الطاقة المظلمة التي يحدثنا عنها جون-بيير لومينا([7])، طاقة منبثة ومبغضة، التي لا ندركها لكنها مع ذلك تتسع بشكل دائم وتغمر الكون بالتموجات. يمكن فهم هذه الأصداء باعتبارها طاقة للتكوين الملتحم formance غير مرئية يقدمها المعلمون السريون، التي لا يتم ادراكها لكنها تغمر كل شيء يدخل معها في علاقة. لذلك فهدفنا ليس بغرض الكشف عن غير المرئي، الغير المحسوس، وإنما بالأحرى فهمه في كليته، فهم هذه التموجات التي يحدثها التكوين حيث يتم إدراك هذه القوة الخفية، وهذه الطاقة المظلمة. وهكذا يموِّج المعلمون السريون، وهم في وضعية الطاقة المظلمة، ما هو جامد، متصلب وتصير هذه الأصداء هي قواها التي تتقلب حولنا وتغلي في أحشائنا، تكوّننا، وتحركنا خلال تموجاتها الدائمة.
اقرأ أيضا:
جينيولوجية السلطة والمؤسسة التعليمية: المراقبة والمعاقبة
الطفرات الصغيرة
يتعلق الأمر إذن بدعوة، واستحضار حركة تربوية أو إحداث تحول([8])، وباستئناف المسيرة على طريق تجديد عالم التدريس. ولقد انطلقت المسيرة بالفعل، وكانت لها أصداء مدوية فعلا من خلال ظهور عدد هائل من المبادرات السرية، المتكتمة، ثم بُدئ في الإعلان عنها، وأصبحت مرئية وشرعت في تغيير معالم الساحات التربوية، والأجواء التي تعيشها، والعلاقات واللقاءات المنظمة في إطارها. يمكن لهذه الطفرة التربوية الضرورية البدء بالمعلمين السريين وذلك، كما يشير إدغار موران، لأن كل حركات التغيير الكبرى تبدأ دوما «هامشية، منحرفة، متواضعة، علما أن الابتكارات الإبداعية هي دوما و حيثما كانت ممكنة»([9]).
التحولات الصغيرة التي تتحقق بشكل طبيعي ومتفرد، ستؤدي إلى، وتغذي، الإصلاحات الأخرى داخل علاقة دائرية فاضلة([10])، حيث تعتمد كل واحدة منها على الأخريات وتحفزها. هذه التغذية الراجعة التي ستؤدي إلى هذه الفضائل المتفردة الصغيرة تساعدنا على فهم مصيرنا الجماعي، وتجعلنا طرفا من جماعة المصير وأن هذه المبادرات تؤدي إلى التحركات التحويلية، التي لا ترتبط بنا فقط بل أيضا بوسطنا وتترك صدى شموليا. وستتحول هذه الدفعة من دون شك إلى توجه أو ربما إلى تحول مطلوب للنظم التربوية المتهالكة. بذلك يمكننا استحضار مجاز اليرقة، حيث الشرنقة خلال تحولها تعمل على تدميرها الذاتي وإعادة بنائها، بشكل مفارق، خلال هذه العملية الداخلية، فهي آخر في الوقت الذي تظل هي. وحين تخرج من قوقعتها، فهي شرنقة، لاتزال أجنحتها مبتلة، وعليها أن تنتظر قليلا قبل أن تحلق بشكل طبيعي. ونحن، خلال هذه عملية التحول التربوي المرغوب فيه، مثل اليرقة بكل تأكيد، تبقى أجنحتنا مبللة، لكنها مستعدة للتحليق.
يحدث هذا الانتقال عبر هذه النفحة وهذه الإشراقة التي تحدثها تدخلات المعلمين السريين، الذين يكونوننا ويستدعوننا إلى هذا التحول. فخادرة اليرقة هي الممر من الموت إلى الولادة، يموت اليُسروع ليولد من جديد، إنه هو نفسه لأكنه آخر، إنها الولادة الضرورية لكل كائن التي تلقننا إياها الطبيعة من خلال هذه العملية. وككل حلم طويل، سبات طويل، يستيقظ اليسروع، يستيقظ الشخص في الربيع، ليهب الحياة لمخلوق جديد، كما يصف ذلك آرثر شوبنهاور: «ينسج هذا اليسروع قوقعته خلال الشتاء في شكل كخادرة يرقانة، ثم تستيقظ خلال الربيع، شابة من جديد وأكثر كمالا، و لاطمئنانهم بإيجاد الراحة في كنف الموت، تقوم أغلبيتها فقط بترتيب مكان مناسب لبيضها بعناية، حيث ستولد يوما ما في دعوة إلى الحياة([11])».
إن الموت، كما أشار إلى ذلك شوبنهاور، ليس سوى دعوة لولادة جديدة، لتحول شبيه بما يقع في الطبيعة، وهو يدعونا، على غرار الكائنات خلال تكوينها، إلى إقامة علاقة جديدة بالتربية. وهكذا فإن لغز الترابطات Mysterium Conjunctionis([12])، وحدة المتضادات لاستعادة الحالة الكونية الأصلية وحالة الوعي الإلهي للعالم ينكشف من خلال اقتران الإروس والتاناتوس، الحب والموت كوحدة كلية يتم بها تجاوز الفردانية في سبيل أن تقدم الذات نفسها وتندمج في الآخر وفق أفق جديد. إن الحب في التربية هو تلك الخدمة الضرورية التي تقدم للآخر ومن خلاله للجماعة، كرغبة للتحمل الأفراد والجماعات من أجل استمرارية حيوية. إن الموت هو بمثابة التغيير، والتحول الذي ينتهي مع العالم الأناني للذات حسب تعبير موران ثم إعادته إلى العالم، إلى الكون. إذ الحياة من خلال الموت هي ميلاد متجدد وهي الطبيعة، لأنها تساعد على إعادة الحياة للطبيعة. والحق أن الإيروس وتاناتوس هما قعر، ونواة التكوين، الحب والموت عنصران وقوتان يسمحان بالتحمل، متضادان يتوحدان في عمليات تتضمن الموت من أجل ولادة جديدة.
https://www.cairn.info/revue-societes-2012-4-page-17.htm
الهوامش
[1]- H. Arendt, La crise de la
culture, Gallimard, coll. « Folio Essais », Paris, 2010, p. 225.
[2] - Ibid.
[3] - E. Morin, La voie. Pour l’avenir de l’humanité,
Librairie Arthème Fayard, Paris, 2011, p. 17.
[4] - G. Steiner, Dans le château de Barbe-Bleue. Notes
pour une redéfinition de la culture, Gallimard, coll. « Folio Essais »,
Paris, 1997, p. 15.
[5] - Ibid., p. 90.
[6] - G. Durand, La sortie du XXe siècle, CNRS
Éditions, Paris, 2010, p. 24.
[7] - Ibid. p. 37.
[8] - Ibid., p. 38.
[9] - J. Chevalier, A. Gheerbrant, Dictionnaire des
symboles, Robert Laffont, Jupiter, Paris, 1994, p. 1027.
[10] - G. Deleuze, La logique du sens, Les Éditions de
Minuit, Paris, 1969.
[11] - G. Deleuze, Le pli, Leibniz et le Baroque, Les
Éditions de Minuit, Paris, 1988.
[1] - M. Eliade, Le mythe de l’éternel retour : archétypes et répétition, Gallimard, coll. « Folio essais », Paris, 1989, p. 44.
[2] - M. Scheler, Six essais de philosophie et de religion, Éditions universitaires, Fribourg, Suisse, 1996.
[3] - E. Morin, Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, Le Seuil, Paris, 1999, p. 21.
[4] - Cf. M. Maffesoli, Le réenchantement du monde (2007), Perrin, Paris, réed. 2009.
[5] - J.-P. Luminet, Le destin de l’univers : trous noirs et énergie sombre, Fayard, coll. « Le temps des sciences », Paris, 2006.
[6] - Cf. M. Maffesoli, Matrimonium, Petit traité d’écosophie, CNRS Éditions, Paris, 2010.
[7] - J.-P. Luminet, Le destin de l’univers : trous noirs et énergie sombre, Fayard, coll. « Le temps des sciences », Paris, 2006.
[8] - E. Morin, La voie. Pour l’avenir de l’humanité, op. cit., p. 297.
[9] - Ibid., p. 299.
[10] - Ibid., p. 298.
[11] - A. Schopenhauer, Métaphysique de l’amour, métaphysique de la mort, Éditions 10/18, Paris, 1964, p. 116.
[12] - C. G. Jung, Mysterium Conjunctionis, Albin Michel, Paris, 1982, p. 254
المراجع.
Arendt
H., La crise de la culture, Gallimard, coll. « Folio Essais », Paris,
2010.
Chevalier
J., Gheerbrant A., Dictionnaire des symboles, Robert Laffont, Jupiter,
Paris, 1994.
Deleuze
G., Le pli, Leibniz et le Baroque, Les Éditions de Minuit, Paris, 1988.
Deleuze
G., La logique du sens, Les Éditions de Minuit, Paris, 1969.
Durand
G., La sortie du XXe siècle, CNRS Éditions, Paris, 2010.
Eliade
M., Le mythe de l’éternel retour : archétypes et répétition,
Gallimard, coll. « Folio essais », Paris, 1989.
Jung C.
G., Mysterium Conjunctionis, Albin Michel, Paris, 1982.
Luminet
J.-P., Le destin de l’univers : trous noirs et énergie sombre, Fayard,
coll. « Le temps des sciences », Paris, 2006.
Maffesoli
M., Le réenchantement du monde (2007), Perrin, Paris, rééd. 2009.
Maffesoli
M., Matrimonium. Petit traité d’écosophie, CNRS Éditions, Paris, 2010.
Morin E.,
La voie. Pour l’avenir de l’humanité, Librairie Arthème Fayard, Paris,
2011.
Morin E.,
Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, Le Seuil, Paris,
1999.
Schopenhauer
A., Métaphysique de l’amour, métaphysique de la mort, Éditions 10/18,
Paris, 1964.
Scheler
M., Six essais de philosophie et de religion, Éditions universitaires,
Fribourg, Suisse, 1996.
Steiner
G., Dans le château de Barbe Bleue. Notes pour une redéfinition de la
culture. Gallimard, coll. « Folio Essais », Paris, 1997
