بسكال وليبنتز يفتحان الطريق أمام الخوارزمية•

بسكال وليبنتز يفتحان الطريق أمام الخوارزمية•


ميشيل سير

ميشيل سير
لفهم العلاقة التي تجمع بسكال بليبنتز، يجب أن نتساءل أولا عن ما هو مشترك بين بسكال الرياضي والفيزيائي وبسكال الفيلسوف واللاهوتي. النص الشهير، الذي يُساء فهمه في كثير من الأحيان، المتعلق بالحدَّين، نص، فيما أعتقد، يتعلق بالبحث عن نقطة ثابتة. فعلى مستوى الفضاء كما هو الحال بالنسبة للخط المستقيم، نحن عاجزين عن تحديد نقطة مركزية، أي النقطة المرجعية. هذه الملاحظة النظرية تتم ترجمتها، عمليا، في سياق رؤية بسكال على مستوى الفلك. وقد قال مؤرخو العلم مرارا أن باسكال، كما هو الحال بالنسبة لليبنتز، لم يسبق له أن قبل بالثورة الكوبرنيكية القائلة بمركزية الشمس لأنه كان يخاف من الكنيسة. هذا سخيف! فالواقع أنه إذا رأى باسكال أنه لا يمكن تأكيد الافتراض القائل بمركزية الشمس ، فذلك لكونه لاحظ استحالة تحديد مركزٍ على مستوى الكون.
إذا قرأت الأفكار وأنت تستحضر مسألة النقط الثابتة، فإنك ستلاحظ أنها متواجدة في كل مكان. يبقى أن هناك معيارا مطلقا واحدا: يسوع المسيح، نقطة ارتكاز التوازن الثابتة بين الارتفاع والانخفاض، «التقلب بين مع و ضد»، التي توجه الزمن نحو نهاية محددة، المتجسدة في عودة المسيح، فتعطي بذلك معنى للتاريخ، وقد تم تصوره كتجسيد لحقيقة الديانة المسيحية. هذا فيما يتعلق بالنقطة المرجعية للزمان.
بالمقابل، في فضاء إله غائبٍ، مجردٍ من القدسية وفارغ، لا يمكن للنقطة المرجعية إلا أن تكون نسبية: هي مسألة مرتبطة بوجهة نظر فردية –الفكرة التي بدأت تتبلور زمنَها، في أعقاب الدراسات المنظورية. وهنا بالضبط يتقاطع باسكال وليبنتز: فكلاهما مفكران للامركزية الشمس وللامتناهي.
والحقيقة أنهما أكثر من ذلك: فخلال سفره إلى باريس، اطلع الفيلسوف، والرياضي العبقري أيضا، على بعض مخطوطات الفرنسي، خصوصا اختبار لأقسام المخروطية [1640]، الذي وضع فيه هذا الأخير الأسس الأولى لحساب التفاضل والتكامل اللانهائي الذي نظّر فيه ليبنتز. كما أنه اطلع على رسالة في المثلث الحسابي [1655]، حيث يقدم باسكال طريقةً لتحديد معاملات ذات الحدين. حينها فكر ليبنتز، وباعتماد 1 على أساس مثلث باسكال، في بناء مثلث آخر، بحيث يكون متماثلا لكنه مكون من مُشكل من حدود مختلفة عن السابق، أي باستخدام كسور السلسلة التوافقية! ومن الجدير القول أن فلسفة ليبنتز تكمن في هذا الانقسام: فالعالم مشكل من مجموعة من الجواهر الفاردة monades، التي تحتوي على عدد لامتناهي من الفروق اللانهائية. إنها هي التي تحوي الكون. مما يعني أن باسكال و ليبنتز يتكاملان.
لكن شيئا أكثر أهمية يحدث بالنسبة لكل واحد منهما. تمعنوا بدءا كيف يقدم باسكال مثلته: إنه يقترح وصفة خاصة لتشييده. أقصد خوارزمية! بل إنني أعتقد أن الأفكار هي مليئة بطرائف وحكايات ليست سوى وصفات تعكس بنية خوارزمية عميقة لفكر باسكال. وهو الذي، كما يعرف الجميع، مخترع أول آلة حاسبة، المشهورة باسم «باسكالين».
لنلتفت الآن جهة ليبنتز: لقد صنع هو الآخر آلة من هذا النوع. وهو الآخر استحضر خلال تفكيره الخوارزميات. غالبا ما تفاجئنا فكرته: «اختزال الاستدلالات المنطقية الانسانية إلى نوع من الحساب(1) ». لكن ما الذي يعنيه بالحساب؟ وأنتم تقومون بعملية الطرح، فأنتم تضعون العدد الأكبر فوق العدد الأصغر، وترصون الوحدات فوق الوحدات والعشرات فوق العشرات والمئات فوق المئات، الخ. ثم تقومون بالعملية الحسابية، مع الاحتفاظ بالباقي كلما دعت الضرورة إلى ذلك. لابد أن لهذه العملية جانبان: إجراء عملية الطرح نفسها، وأيضا بطبيعة الحال إنشاء العملية. فصرخة ليبنتز الشهيرة «لنحسُب ! Calculemus»، لا يشار بها بشكل مبتذل إلى عملية الطرح أو غيرها وإنما إلى الوصفة المؤدية لها، أعني بذلك الحساب الخوارزمي.
لذلك أؤكد أن باسكال وليبنتز قد ساهما في تشعُّب كامل وغير مسبوق في تاريخ الرياضيات. لقد فتحوا طريقا جديدا أعاد تشكيل العالم، عالمنا، تغلب فيه التفكير الحسابي على الفكر النظري. خيره و شره.
-------------------------------------------------------------------
المرجع
• Magazine Philosophie, Hors-série : Pascal : L’homme face à l’infini ; Pascal et Leibniz ouvrent la voie des algorithmes, Par Michel Serres, pp. 100-101
هامش
-G. W. Leibniz, Philosophische Schriften, vol. VII, Olms Verlag, 1978, p.- 1